على من كانوا يسمون الأبطال، فأحيانًا يؤديهم البحث إلى إنكار بطولة بعض الأشخاص بتاتا، وأحيانا يقللون من قيمة البطل، بل وأحيانًا يرون بطلًا من أنكر الناس قديمًا بطولته
ذلك لأن مقاييس البطولة تغيرت وأصبحت عند المحدثين خيرًا منها عند الأقدمين، ولأن المحدثين رأوا أن القدم نسج لكثير من الناس أثوابًا من البطولة لم تكن موجودة أيام حياتهم، وكلما تقدم الزمن منحهم الناس شارة بطولة جديدة - فلما عرض هذا كله للنقد وأزاح أهل العلم الحديث ستائر القدم تبين البطل في صورته الحقيقية أو قريبًا من صورته الحقيقية، فأحيانًا يرتفع الستار عن لا بطل، وأحيانًا يرتفع عن بطل، ولكن دون ما كان يقدره القدماء؛ ونادرًا ما يبقى البطل بطلًا كبيرًا حتى بعدما ترتفع حجب القدم
ولهذا نجد كثيرًا من المعاصرين هم في الحقيقة نوابغ، وهم يفوقون بمراحل بعض نوابغ الأقدمين، ولو كانوا في العصور الماضية لارتفعت منزلتهم فوق ما ارتفعت اليوم، ولكن لم نمنحهم نحن لقب البطولة للأسباب التي أشرنا إليها قبل من أننا رفعنا إلى حد بعيد المثل الأعلى للنبوغ، ولأننا نحلل النابغ ونكتشف سره، وذلك يقلل من تقديره، ولأنه معاصر والمعاصرة أعدى أعداء الاعتراف بالنبوغ
وقد يتصل بهذا إن كثرة النبوغ تصنيع الاعتراف بالنبوغ، فكل أمة راقية الآن لديها عدد كبير من المتفوقين في كل فرع من فروع العلم والفن - في القانون - في الأدب - في الطبيعة - في الكيمياء - في الرسم - في التصوير. فلما كثر هؤلاء في كل أمة أصبح من العسير أن تميز أكبر متفوق منهم لتمنحه صفة النبوغ؛ ومن العسير أيضًا أن تسميهم كلهم نوابغ، لأن النبوغ بحكم اسمه ومعناه يتطلب الندرة، فلما كثر النابغون أضاعوا اسم النبوغ. وعلى العكس من ذلك الأمم المنحطة. لما لم يوجد فيها إلا قانوني واحد أو أديب واحد أو موسيقي واحد كان من السهل أن يمنح لقب النبوغ.
ثم إن الديمقراطية التي سادت الناس في العصور الأخيرة ونادت بالمساواة وألحت في الطلب أوجدت في الشعوب حالة نفسية كان لها أثرها في موضوعنا إذ أصبح الناس لا يؤمنون بتفوق كبير، لا في المال فهم يريدون الاشتراكية، ولا في السياسة فقد يتبوأ الحكم حزب العمال فيدير الأمور كما يديرها الأرستقراطيون في السياسة بل أحسن منهم
فدعتهم هذه الحالة النفيسة إلى أن يكفروا بالتفوق أو بعبارة أخرى يكفرون بالنبوغ؛ وبعيد