وأتضح لعينه ما كان غم عليها، ورأى الحقيقة واضحة صريحة. ووصف هذه الحادثة فقال: (إنها أكبر الحوادث أثرًا في نفسه في كل ما صادف في حياته العلمية) ، قالها بعدها بزمن طويل. وعلى أثرها أعتزم أن يتصيد المكروب هو أيضًا، فذهب إلى كوخ وأطلعه على طريقة بديعة يصبغ بها مكروب السل فيتراءى في العين سهلًا واضحًا - وهذه الطريقة لا تزال تتبع إلى يومنا هذا بلا تغير يذكر. ولزمه وهو يشتغل بمكروب السل حماسه الصاخب، فلوث نفسه من قدمه إلى رأسه بالمكروب، فأصابه السل فكان لابد له أن يذهب إلى مصر ففعل
وكان عمره إذ ذاك أربعًا وثلاثين سنة، ولو أنه مات عندئذ في مصر، إذن لنسي أمره بدون شك، أو إن هو ذكر فإنما يذكر بأنه رجل مِفراح ممراح أحب الألوان وأغرم بالخيالات ثم خاب، وكان كالمولد الكهربائي في جهده الفياض ونشاطه المتواصل. وأعتقد إنه يستطيع الجمع بين صيادة المكروب ومعالجة المرضى. وتعين رئيسًا للأطباء في دار للعلاج شهيرة في برلين، ولكنه كان مرهف الحس مضطرب الأعصاب لا يقوى على استماع صراخ المرضى وأنين من يوشك منهم أن يموت بعد أن استعصي دواءهم وعز علاجهم.
نعم علاجهم. علاجهم الحق. علاجهم الشافي لا علاج الظن والتخمين، ولا العلاج بالتأسية الكاذبة والتلطف الفارغ عند سرير المريض ثم ترك الأمر للطبيعة عساها تحل العقدة التي أعجز الطب حلها. وساورته هذه الأفكار وأمثالها فأفسدت عليه صناعة التطبيب فكان طبيبًا مخيبًا، ذلك لأن المؤاساة ولو كانت كاذبة صفة لابد منها للأساة، أما اليأس من الأمراض ولو موئسة وقطع الأمل وتقطيعه على أسماع المرضى فلا يؤدي بالطبيب إلا إلى الخيبة. وعدا هذا فقد ساء إلريش طبيبًا عندما لعبت برأسه لواعب الأحلام: كان ينظر إلى جسم المريض فينفذ ببصره إلى ما وراء جلده وكأنما يستعير لعينه مجهرًا بالغ التكبير، فتتراءى له مادة الخلية المرتعشة وقد ارتسمت في عينه رمزًا كيمياويًا كبيرًا لمادة كيمياوية معقدة. وتراءت له حلقات البنزين وسلاسلها الجانبية في تلك الخلايا بمثل ما تراءت له في رموز أصباغه، ونحى جانبًا أحدث النظريات في علم وظائف الأعضاء، واصطنع لنفسه كيمياء للأجساد غريبة قديمة فجاءت كالثوب ذي الزي العتيق تلبسه في غير عصره. واختصارًا