لهذه الدراسة أن تتم إلا بهذه المعاشرة التي لا منطق فيها ولا إعداد لها. لذلك كان مما يشبه العبث أن يتعلم الشبان التمثيل في المعاهد التي لا تستطيع أن تعرض عليهم النماذج المتعددة من الصور النفسية الإنسانية، والتي تقعد عند تمرين الطلاب على الإلقاء وإحسان إخراج الحروف. أما التمثيل الصحيح فمعهده الدنيا كما أنها معهد لكل فن صحيح
وقد يسألنا هنا سائل: ما الذي يستطيع الممثل أن يصنعه إذا عهد إليه بتمثيل دور تاريخي قد مات صاحبه وانطفأت شعلة روحه، فلا يستطيع الممثل أن يراقبه ول أن يدرسه عن كثب ليتمكن بعد ذلك من أن يصهر نفسه ليصوغها بعد ذلك في القالب النفسي الذي كانت عليه نفس هذا الشخص التاريخي الذي يراد تمثيله!؟
ونحن نقول ردًا على هذا السؤال: إن القراءة والدرس في مثل هذه الحالة يجبان وجوبًا، وأنهما يعوضان جانبًا كبيرًا من الخسارة الفنية التي يخسرها الممثل بحرمانه الاتصال المباشر بالصورة الإنسانية التي يريد أن يمثلها. فبالقراءة والدراسة يستطيع المثل أن يقف على أسلوب هذا (الأصل) في الحياة، وبهما يستطيع أن يتعرف أخلاقه وعاداته، وما كان يفضل من ألوان اللهو. . . وألوان اللهو مهمة جدًا في نظر الفنان، فهي الأعمال التي يمارسها الإنسان برغبته الخالصة والتي يستطيع الممثل أن يعرف بها ميول هذا الذي يريد أن يمثل دوره. ومتى استطاع أن يعرف هذه الميول وما ينبتها من المزاج الخاص استطاع بعد ذلك أن يرسم بالتمثيل صورة تطابق إلى أبعد الحدود الصورة الأصلية الطبيعية التي يريد أن يمثلها
وقد يحدث أن يمثل ممثلان نابغان ذاتًا واحدة - أو أصلًا واحدًا - ولكنهما يختلفان في التمثيل فلا تتطابق الصورتان اللتان يظهر أن كلا منهما هي الأخرى كما حدث ذلك قريبًا إذ خرج كل من الممثلين العالميين هاري بور وجون باريمور دور (راسبوتين) فقد خرج الذين شاهدوا جون باريمور في دوره بصورة عن راسبوتين تطابق هذه الصورة الشائعة التي صورته لنا بها المقالات التي كتبت عنه في الصحف، والروايات التي ألفت عنه وروجتها دور الطبع والنشر، والروايات الأخرى التي مثلتها عنه المسارح. . وقد كانت هذه جميعًا تمقت راسبوتين وتراه شرًا أخبث من الشر، وتبخل عليه حتى باخس صفة من الصفات الإنسانية تنسبها إليه؛ فهو عندها الجاهل الذي يدعى العلم ويلزم الناس إلزامًا بأن