هو منكر لا يريدان أن يقعا فيه مع أن استقامة الكلام تستلزمه ولكنهما يحيدان عنه عملًا بالأمانة اللغوية التي في عنقهما لمعنى المكافأة!
في ص 165 وردت هذه العبارة: فمدحتم من جمع صنوف الخطأ وذممتم من جمع صنوف الصواب. فاحذروهم كل الحذر ولا تأمنوهم على حال
وفي الشرح يقول الأستاذان الفاضلان: (من جمع صنوف الصواب) أي وهو من سميتم (بخيلًا) و (من جمع صنوف الخطأ) أي وهو من سميتم (جوادًا) ثم يعلقان على عبارة (فاحذروهم) بقولهما الضمير يرجع إلى الذين تسمونهم أجوادًا وهو التفات من صيغة المفرد إلى الجمع.
ومعنى ذلك في رأي الشارحين أن القائل للعبارة استعمل اللفظ مفردًا ثم أعاد عليه الضمير جمعًا لأن لفظ (من) في نظرهما مفرد بدليل تفسيرهما بقولهما (أي وهو من سميتم بخيلًا) فقوله بعد ذلك فاحذروهم يكون خروجًا عن مقتضى الظاهر إذا الظاهر في رأيهما أن يقول فاحذروه ما دام الضمير عائدًا على (من)
وفي هذا الكلام خطآن ظاهران: أما أولهما فبلاغي وهو اعتبار مثل هذا الخروج عن الأصل (إن كان) التفاتًا، والالتفات لم يعهد إلا في العدول عن الخطاب إلى الغيبة أو عكس ذلك أو ما أشبهه مما لا نطيل به، فأما إرجاع الضمير جمعًا إلى لفظ مفرد فلم يدخل في حساب البلغاء أن يعقدوا له هذه التسمية أو غيرها
وأما الخطأ الثاني فهو عدم تنبه الشارحين إلى أن لفظ (من) من الألفاظ التي يصح اعتبارها مفردًا وغير مفرد فيعاد عليها الضمير على حسب ذلك الاعتبار وهنا اعتبرها القائل جمعًا فأعاد إليها الضمير كذلك. ونرى أن هذا الكلام من الوضوح بحيث نعد أنفسنا مسرفين إذا توسعنا فيه أكثر من ذلك
في ص 178 في الحديث عن آداب السلف على الطعام وأنهم كانوا لا يمدون أيديهم إلى الجدي الذي يقدم آخر الطعام لعرفانهم أنه إنما يقدم ليجعل علامة الختام والفراغ، حتى قال أبو الحارث جمين حين رآه لا يمس (هذا المدفوع عنه) ويعلق الشارحان على هذه العبارة الأخيرة من كلام جمين بقولهما: أي هذا الذي لا تناله الأيدي بالأذى. والمراد التعجب
والذي نقوله: إنه لا تعجب ولا شبه تعجب، بل هو إخبار بالواقع لأنه لما رآه لا تمد إليه