والمؤلف يناقش هذه المسألة في أكثر من ثلاثين صفحة من الكتاب مناقشة مباشرة ثم يعود إليها عدة مرات - بوسائل شتى - في نحو ثلاثين صفحة أخرى. . وأما الحكم الذي يصل إليه من أبحاثه ومناقشاته هذه فيتلخص في العبارات التالية:
(فكل شيء يدل على أنه ليس هناك عقل أوربي يمتاز من هذا العقل الشرقي الذي يعيش في مصر وما جاورها من بلاد الشرق القريب) (الصفحة: 28)
فمهما نبحث ومهما نستقص فلن نجد ما يحملنا على أن نقبل أن بين العقل المصري والعقل الأوربي فرقًا جوهريًا) (الصفحة: 29)
إنني أشارك الدكتور طه حسين في هذا الحكم الصريح مشاركة تامة. . . فلقد درست وناقشت هذه المسألة فيما مضى مرارًا بوسائل مختلفة؛ وانتهيت في جميع تلك الدراسات والمناقشات إلى نتيجة مماثلة لهذه النتيجة، لا بالنسبة إلى المصريين فحسب، بل بالنسبة إلى أمم الشرق الأدنى بوجه عام، والأمة العربية بوجه خاص. . .
ولهذا السبب، يسرني كل السرور أن أتفق مع المؤلف في هذا الحكم اتفاقًا تامًا (ومع هذا يؤلمني جدًا) ألا أستطيع موافقة على سلسلة الآراء والأحكام التي سردها حول هذه المسألة وأن أراني مضطرًا إلى مخالفته في معظم المقدمات التي بنى عليها حكمه هذا، وفي بعض النتائج التي استخرجها منه. . .
أولًا، يكرر الدكتور طه حسين الحكم الذي ذكرناه آنفًا عدة مرات - جريًا على عادته العامة - ويعبر عنه في كل مرة بشكل جديد، وكلمات جديدة - حسب أسلوبه الخاص -؛ غير أنه لا يتقيد - خلال هذا النكران - بمعاني الكلمات، وحدودها (التقيد العملي) الذي يتطلبه مثل هذه الأبحاث. . . فينزلق إلى مهاوي الغلو والمبالغة انزلاقًا غريبًا، فيبتعد عن (الحقيقة) التي كان توصل إليها ابتعادًا كبيرًا. . .
مثلًا، يسترسل مرة في الحديث حتى يضيف كلمة الثقافة إلى كلمة العقل، فيقول:
(كلا، ليس بين الشعوب التي نشأت حول بحر الروم وتأثرت به، فرق عقلي أو ثقافي ما. . .) (الصفحة: 25)
أفلا يحق لي أن أسأل الأستاذ في هذا المقام: هل يدعي - عن جد - أنه لا يوجد (فرق ثقافي ما) بين المصري، والفرنسي، والسوري، والإيطالي؟ إن القول بعدم وجود (فرق