والسهلي والجبلي من الطليان. وبين الريفي والمدني والصانع والتاجر، والمثقف والعامي من جميع هؤلاء. . . فكيف يعقل مع هذا ألا يختلف طبع المصريين ومزاجهم عن طبع الأوربيين ومزاجهم بوجه من الوجوه؟
إنني أميل إلى الحكم بأن الدكتور طه حسين لم يكتب هذه العبارة أيضًا عن تأمل واقتناع. بل كتبها بدافع الاستعجال وتحت تأثير توارد الكلمات.
إني لا أكون من المغالين إذا قلت: إن (نزعة التسرع في الحكم والإسراف في الكلام) من النزعات المستولية على معظم مباحث كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) ، وهذه النزعة هي التي ورَّطت المؤلف في مآزق غريبة، وأوقفته مواقف لا تخلو من التناقض في بعض الأحيان.
وللبرهنة على ذلك أود أن أستعرض - علاوة على ما ذكرته آنفًا - ما جاء عن الأزهر في الأقسام المختلفة من الكتاب.
يذكر الأستاذ الدكتور طه حسين الأزهر - في كتابه هذا - أولًا عندما يبحث عن اتصال مصر بالحضارة الأوربية فيتوسع كثيرًا في وصف هذا الاتصال، لأنه يعتبره دليلًا على عدم وجود فرق جوهري بين العقلية المصرية والعقلية الأوربية إذ يقول: (إننا لا نجد في هذا الاتصال من المشقة والجهد ما كنا نجده لو أن العقل المصري مخالف في جوهره وطبيعته للعقل الأوربي) (الصفحة 35) .
وعندما يتطرق المؤلف إلى حالة الأزهر - خلال هذا البحث - يعرضه لنا كمعهد مسرف في التجديد إذ يقول حرفيًا ما يلي:
(كل شيء يدل، بل كل شيء يصيح بأن الأزهر مسرف في الإسراع نحو الحديث، يريد أن يتخفف من القديم ما وجد إلى ذلك سبيلًا. . .) (الصفحة 34) .
غير أننا نراه في محل آخر من الكتاب، يتراجع قليلًا عن تعبير (الإسراف) الذي استعمله في هذا المقام؛ لأنه يقول:
(أصبح الأزهر مسرعًا إلى هذه الحضارة، يدفعه إسراعه إلى شيء يشبه الإسراف إن لم يكن هو الإسراف) (الصفحة 61)
كما أنن نراه في محل آخر يتناسى كل ذلك فيقول: