المتناهية في الصغر - كل هذا نود لو نعرفه ونود أن نعرف المناسبات التي استدل بها العلماء على هذا التحليل الجديد للمادة. هذا التحليل الذي يذهب بنا بعيدًا عن حدود الذرة ويدخل بنا فيها
لقد تكلمنا عن الزمن الذي يمر علينا وتتعين بمروره الحوادث وتكلمنا عن الحيز أي الفضاء الذي تحدث فيه هذه الحوادث، وشرحنا ما يفهمه العلماء من المادة وكيف تنقسم إلى عناصر وكيف تتكون العناصر من الذرات المختلفة، وحسبي أن الشخص العادي يدرك أن هناك ظواهر عجيبة تختلف عن المادة، من بينها ظاهرة الكهرباء، ويدرك أن ثمة فارقًا كبيرًا بين أسلاك الترام المرفوعة على أعمدة في شوارع العاصمة معتبرة مادة مصنوعة من النحاس وبين الأسلاك ذاتها بعد مرور التيار الكهربائي فيها - كلنا يسمع عن ظاهرة الكهرباء ولا يراها، كلنا يعرف أنه يكفي مرور هذا التيار الذي لا نراه في الأسلاك المرفوعة لتسير مركبات الترام من محطة إلى أخرى - كلنا يعرف أن الكهرباء ظاهرة تختلف عن المادة وإن ظهرت فيها
ومن العجيب أن تتبع الكهرباء في تطوراتها الطريق ذاته الذي تبعته المادة، إذ تنتهي هي أيضًا بالذرية الكهربائية كما تنتهي المادة بالذرية المادية، وقد استترت الكهرباء بادئ الأمر وراء نوع من الظواهر المستمرة والمنتظمة، وهو الوضع الظاهر الذي يبدو لنا في مختلف الظواهر الكهربائية، ومع ذلك فقد انتصرت في نهاية الأمر فكرة التركيب الأتومي أي الذري للكهرباء كمل انتصرت قبل ذلك الفكرة ذاتها في كل ما يُكَوِّن المادة في الكون
على أنه كان من الصعب تصور هذا التركيب الذري في حالة الكهرباء إذ لو جاز لنا أن نتصور للمادة تركيبًا حبيبيًا، كل حبة مستقلة ومماثلة للأخرى فإنه لا يجوز لنا بسهولة أن نذهب إلى تعميم هذه الحالة ذاتها في الكهرباء فنفرض لها تركيبًا حبيبيًا مماثلًا للتركيب المادي ونفرض بذلك ذرة كهربائية لا يمكن تجزئتها فإن الأمر الأخير يبدو غريبًا ويتطلب منا براهين قوية على وجوده. ذلك لأننا نتصور الكهرباء في العادة حالة طارئة على الجسم أكثر ما نتصورها جسيمات تجري في أنحائه، بل إننا نتصورها مجموعة من القوى أكثر مما نتصورها مادة في الوجود، ومع كل ما تقدم ومع مخالفة حقيقة الكهرباء لخيالنا وتصوراتنا فإن الفكرة المادية للكهرباء قد ثبتت أخيرًا ونجحت نجاحًا لا يمكن أن يضعها