جمل، ويقطعون الصلة بين الرموز وما يرمز لها بها اعتمادًا على خيال القارئ وإحساسه وأحلامه وهواجس نفسه الغامضة، وأحيانًا يستخدمون رموزًا مدلولها أشياء مادية ويرمزون بها إلى تلك الهواجس الغامضة في الوعي الباطن، وهي لغموضها لا تستطيع عقولهم الظاهرة تفسيرها إلا بتلك الرموز. وهذه طريقة لم يكتب فيها شاعر عربي. أما طريقة أبي تمام فهي طريقة الصناعة البيانية المألوفة وإن كان قد أبدع وأغرب فيها، وشعره شعر الخيال المشبوب بنار الشاعرية، والجيد من شعره يجمع بين القوة والحلاوة وإقناع الصنعة الفنية، وهي ليست صنعة ألفاظ فحسب بل صنعة ألفاظ وخيال وإحساس وذكاء وعقل وبصيرة. وترى في قوة الجيد من شعره قوة الخطيب، ولا أعني، أن الشاعر خطيب فللخطيب صفات قد تدابر صفات الشعراء، وإنما أعني أن لشعره قوة تشبه وقع خطاب الخطيب في الأذن فكأن له صوتًا يسمع. وإذا كان للشاعر نفسه من صفات الخطيب فهي الصفات التي يقترب الخطيب فيها من عبقرية الشاعر ومن بصيرته النافذة وخياله المشبوب، وليست الصفات التي يقترب فيها الخطيب من فن الممثل وهي صفات عالية في فنها وفي الخطابة. ولا نأسف لإضاعة شاعر من شعراء العرب في التكسب بالمدح شعرًا كان يكون أعظم شأنًا في وصف الحياة والنفس قدر ما نأسف لإضاعة أبي تمام، فإن الرجل كان قادرًا على أن يبلغ ما بلغه شعراء أوربا من وصف الحياة والنفوس ومظاهر الكون؛ على أن في شعره في المدح أشياء من هذه الأشياء. ولعل القارئ يقول: ولماذا لا نأسف على المتنبي قدر أسفنا على أبي تمام أو أكثر، وليس المتنبي بأقل منزلة وهو ذو بصيرة وخيال. ولكن أبا تمام كان عنده من نشوة الصناعة البيانية أكثر مما كان للمتنبي؛ وكان للمتنبي من قوة الشخصية وأثرتها أكثر مما كان لأبي تمام؛ وقوة الشخصية هذه لها أثر في الشعر يظهر في كل أبوابه وتجعل الشاعر يترك بعده دويًا كما قال المتنبي:
وتركك في الدنيا دويًا كأنما ... تداول سمعَ المرءِ أنمُلهُ العشْرُ
أما أبو تمام فإننا نقرأ أنه كان مولعًا بالخمر إلى حد الإفراط أحيانًا، ونقرأ أنه سكر مرة في مجلس عظيم وعربد وحُمِلَ من المجلس بين أربعة، وأنه كان إذا اخذ صلة أمير أفناها بين الغناء والموسيقى والرياض والخمر والأوجه الوسيمة. وهذه الأمور ربما كانت تقلل نتاجه وتلهيه عن الشعر لو أنه لم يكن مضطرًا إلى قرض الشعر في المديح أو الرثاء لكسب