أنني لا تحركني الغيرة للعيب عليه.
ورأيته لا يقع بصره على رئيسه مبارحًا إلا حضر إليه مودعًا ولكنه يمشي على قيد خطوة أو خطوتين وراءه، وذلك لاشك تأدب منه، وإن تقول عليه خلاف ذلك المبطلون الذين يحقدون عليه لبلوغه دونهم الدرجة التي يتحرقون شوقًا إليها.
وهو مرب على رغم ما سماه به بعض المغيظين منه؛ وإنه ليشعر أن من واجبات مهنته أن يوحي إلى تلاميذه دماثته وأدبه وإن يلهمهم الصدق ويعودهم احترام النفس. وأنه ليعتقد أنه يفيد طلابه من هذه الناحية أكثر مما يفيدهم غيره من أقرانه؛ وإلا فمن بلغ مبلغه منهم من الدماثة وكرم الطبع؟
ولن تفوته فرصة لإظهار دماثته تلك التي أصبحت مضرب المثل بين عارفيه، وهو لا يرمي من وراء ذلك إلا إلى أن يكون فيه لأبنائه أسوة حسنة، ولن يبتغي عليه جزاء ولا شكورًا. ومن أروع مواقفه التي لست أشك أنها من خير ما يقتدي به، أنه التقط ذات مرة على مرأى من الطلاب جميعًا دخينة سقطت على الأرض من يد رئيسه فأعادها إلى الرئيس، ولكن ما كان أعظم دهشة الطلاب أن يروا ذلك الرئيس يقذف بها بعيدًا بعد أن يأخذها منه وهو عابس الوجه وعلى شفتيه ما يشبه الازدراء وما لا يكون إلا استنكارًا. ولقد قارن الطلاب لاشك بين رقة الأستاذ وغلظة الرئيس، ولست أدري إيهما كانت أقرب إلى نفوسهم البريئة.
وشاعت الحادثة في الزملاء الحاقدين منهم والمسالمين، فقال أحدهم: (ما أراه إلا ساعيًا في الدرجة الخامسة) . فقلت: وكيف يكون ساعيًا من كان في الدرجة الخامسة؟ فنظر إلى آخر نظرة غاضبة كأنما ضايقه جهلي وقال: وإنك لترى من هؤلاء من هم في الرابعة وإن شئت ففي الثالثة. . . والطريق إليها جميعًا سهل معبد ولكن لمن يرضى أن يكون ساعيًا.
(عين)