-إلا ترى يا بني أن الليل قد أقبل يحمل في أعطافه برد المساء، وأنا كما ترى شيخ. . .
-هيا. . .
وتركا المصطبة، ودخلا قاعة غير رحيبة، بسقف منخفض تكاد تكون عارية إلا من حصير وغطاء
وأشعل (حابي) مصباحه الزيتي، ثم جلس وأراح ظهره على الجدار وقد طوى يديه إلى صدره. وجلس (راموسي) قبالته متربعًا، لا يفصله عن الشيخ إلا المصباح. . .
وانقضت برهة لم يتكلم فيها أحد منهما
ثم سمع (حابي) يردد في صوته الرزين:
-إني مصغ إليك!
فلم يحول الفتى عينيه عن المصباح وقال:
-كيف ابدأ لك قصتي. . . حقًا أنه لجنونٌ ما فكرتُ فيه. . . غير أني لست نادمًا على شيء. . . لقد كنت أحيا يا أبت متبطلًا، أخرج من داري المهدمة إلى النهر أرتاض على شاطئه حيث بساتين الأمراء، أقضي اليوم كله متنقلًا بينها، أستمتع بمرأى الرياحين، وأستنشق عرفها الزكي. فإذا تعبت استرحت بجوار الماء وأخرجت نايي أناجيه ويناجيني!
-أموسيقي أنت؟
لم أجرب أن أصفر إلا لنفسي. . .
وأخرج (راموسي) من ثنايا ثيابه نايًا من غاب ساذج المظهر، وأراه الشيخ قائلًا:
-أنه زميلي الذي لا يفارقني أبدًا. . . زميلي المطلع على سري، العالم بما يجيش في قلبي من أمان وأطماع!
-أمان وأطماع قد تبدو لك بعيدة التحقيق!
-أنني أضعها بين يديك، فافعل بها ما أنت صانع!
-ألم تكن راضيًا عن حياتك الهادئة؟
-كل الرضا!
-إذًا (هي) التي غيرت حالك. . .
-من هي؟