فأستأذن القراء وأستغفرهم، فأنا امرؤ لا يحب أن ينصب نفسه لمن هو عند نفسه أكبر من نفسه والسلام
ابن شبرمة!!
ومادمنا في حديث أمانة العلم، فقد رأيت أن الأستاذ المحقق (بشر فارس) روى خبرًا عن ابن شبرمة القاضي قدمناه آنفًا وهو: (ذهب العلم إلا غبارات في أوعية سوءٍ) . وقد رأيت صاحب العقد الفريد (ج 1 ص 205 طبعة بولاق أيضاَ!) قد أورده بهذا النص عينه، وهو يبدو لنا نصًا عربيًا مظلم النور
وتحرير رواية الخبر: (ذهب العلم إلا غبراتٍ في أوعية سوء) بضم الغين المعجمة وفتح الباء المشددة. والغبرات جمع غبَّر، وهو آخر الشيء وعقابيله وما يبقى منه. يريد ابن شبرمة: أن العلم لم يبق منه إلا قليل قد وقع في صدور رجال من الفخار والخزف لا تضيء ولا تقبل الضوء
وقد ورد هذا الحرف (غبرات) في حديث عمرو بن العاص يقول لعمر بن الخطاب: (إني والله ما تأبِّطتني الإماءُ، ولا حملتني البغايا في غبَّرات المآلي) . والمآلي خرق للنساء يكون فيها الدم، وغبَّراتها بقايا الدم. ومن ذلك أيضًا قول أبي كبير الهُذلي يصف ابن زوجته تأبط شرًّا الشاعر الفاتك:
حَملتْ بِهِ في ليلةٍ مَزْؤودةٍ ... كرْهًا وعقدُ نِطاقِها لم يحللِ
فأتتْ بِهِ حوشِ الفؤاد مبطنًا ... سُهدًا إذا ما نام ليل الهوْجل
ومبرَّأ من كل (غُبّر حيضة) ... وفساد مرضعة، وداءُ مغْيل
فهذا تحقيق رواية الخبر على التحرير والدراية، فمن كانت عنده نسخة من (العقد الفريد طبعة بولاق!) فليصححه
محمود محمد شاكر