الغاز فوضى تملأ الفضاء كله. ولما كانت جاذبية كل قطعة صغيرة من الغاز تؤثر في جميع القطع الأخرى فإن تيارات تنشأ بالتدريج. وأينما أحدثت هذه التيارات تدمعًا طفيفًا من الغاز ازدادت قوة الجاذبية، فأخذ كل من هذه المتجمعات الصغيرة يجذب نحوه مقدارًا آخر من الغاز. إن الطبيعة تتصرف طبقًا لقانون (من كان يملك شيئًا أعطى زيادة) ؛ فالقطع الناجحة من الغاز تنمو إلى تكاثفات ضخمة تزداد باستمرار على حساب القطع الخائبة حتى تبتلعها في النهاية. وكما اتخذت الأرض والشمس والسيارات أشكالًا منتظمة تحت تأثير الجاذبية، فإن هذه التكاثفات تبدأ الآن تتخذ أشكالًا منتظمة فتكوّن ما قد سميناه سدائم منتظمة الشكل. وتأتي التيارات الغاوية التي أوجدت هذه السدائم فتحملها الآن على الدوران، فلا تكون كرية الشكل تمامًا بل يكون شكلها في مبدأ الأمر كالبرتقالة مثل أرضنا الدوارة. وكلما ضمرت تغيرت أشكالها باستمرار، وازداد تفرطحها ازديادًا مطردًا. ثم نعود فنرى الغاز الذي عند حوافها الخارجية يتكاثف إلى مدائن نجومية تكون عند ولادتها مفرطحة وتظل مفرطحة بسبب دورانها. . .)
ثم يأتي إلى قصة تكوين النظام الشمسي، وهي كما يلي: (. . . يقترب من شمسنا نجم اقترابًا لم يسبق لأي نجم آخر قط أن اقتربه؛ فينشئ فيه من قبل - مدودًا كجبال عظيمة غازي ناري تسير فوق سطح الشمس. وأخيرًا يزداد اقتراب النجم الثاني من الشمس بحيث لو كان شخص واقفًا على سطحها لبدا له ذلك النجم مالئًا جزءًا كبيرًا من السماء، وبينا هو يقترب هكذا تصير قوة جاذبيته من العظم بحيث تنتزع قمة الموجة المدّية من الشمس وتتكاثف ذاتها قطرات. هذه القطرات هي السيارات والأرض واحد من أصغرها، وهي في أول الأمر تكون كتلة فوضى من غاز ناري لكنها تأخذ تبرد فيستحيل وسطها إلى سائل، ثم تصير بمرور الزمن إلى درجة من البرودة تتكون معها قشرة صلبة على سطحها، ثم بعد ذلك إذا ما ازدادت برودتها يبدو على هذه القشرة الصلبة ظاهرة جديدة عجيبة: تأخذ طوائف من الذرات تتحد فتكون هيئات منظمة متماسكة من النوع الذي لمّا نعرف شيئًا عن طبيعته ولا عن الطريق التي ظهر بها أول مرة في الوجود سميناه بالحياة. . .)
(نابلس)
قدري حافظ طوقان