في هذه النعمة أو ينغّصها عليّ فلا أهنأ بها، وأقبلت أصبّ على جسمي من الماء الحار فأحسّ له بعد هذا التعب بما تحس الأرض اليابسة هطل عليها المطر. . حتى إذا انتهيت عدت إلى أصحابي بوجه متورد، وثياب نظيفة. فجنّ جنونهم عجبًا ودهشة، ولكن وجود الأمير أمسك ألسنتهم؛ فلما جلست أفضيت إلى جاري بالأمر فتسلل من مكانه إلى الحمام، وما زالوا يذهبون واحدًا بعد واحد حتى اغتسلوا جميعًا. وكان إعداد الحمام أول ما شهدنا من لطف الأمير السديري - أمير المدينة المنورة الآن - وتهذيبه. . .
فلما انتهوا وكان الهزيع الأخير من الليل دعينا إلى المائدة، وكان فيها الخروف (المعهود) برأسه. . . ولكن حوله ألوانًا من الخضر كالفاصولياء والباذنجان والطماطم موضوعة في أطباق صغار، وعلى المائدة الملاعق لمن شاء، فجلس الأمير وجلسنا، وأكلنا أكل من لا يخشى البشم!
ولم نفق إلا في ضحى الغد، فأفطرنا ورأينا البلد، فإذا الدار التي نزلناها مستشفى كبير كان العثمانيون قد أقاموه عندما مدّ الخط الحجازي، وأمامه رحبة واسعة جدًا، ويقابله من آخر الرحبة المحطة العظيمة، وبينهما على يسار من يقف على باب المستشفى ويستقبل المحطة بساتين النخيل تتخللها البلدة، وهي ستون بيتًا، فيها مسجد كمسجد القريات، وفيها قصر الإمارة؛ والبساتين تسقى من عيون ثلاث بارك الله فيها إكرامًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، على ما هو مقرر في كتب المغازي.
هذه هي تبوك ومن حولها الصحراء وهي نصف طريق المدينة.
ذهبنا نزور الأمير في قصره الزيارة الرسمية، فدخلنا منزلًا صغيرًا جدرانه من الطين، لا يختلف عن منازل الفلاحين في القرى الفقيرة من قرى الشام، فصعدنا درجًا ضيقًا ملتويًا إلى ردهة صغيرة تطل على أرض الدار، ولها داربزين من خشب عادي ليس فيه زخرفة ولم يَعله صبغ، قم ولجنا غرفة ضيقة لم تكد تسعنا في صدرها مكتب صغير، وليس فيها إلا مقاعد من الخشب وكان الأمير وراء مكتبه فنهض لاستقبالنا بلطفه الذي وصفت.
وكنت قد أبصرت على الدرج وفي أرض الدار، وفي الردهة العالية عددًا عديدًا من العبيد، فعجبت من كثرتهم ولم أدر ما عملهم، فلما قال الأمير بصوت منخفض: قْهَوَة. سمعت العبد الذي يقوم على رأسه يقول بصوت ارفع: قهوة، فيقول الذي على الباب: قهوة. فيصرخ