والماء، ولكنه لا يستغني عن القهوة ولا يعدل بها شيئًا، وقد يميل عن الطريق مسيرة يوم ليشربها. وقد حدثنا أستاذنا شكري الشربجي، وقد كان على رأس فرقة عسكرية من العرب أيام الملك حسين رحمه الله: أنه افتقد جنده في ساعة حرجة فلم يجدهم، فلما عادوا سألهم، فحبروه أنهم افتقدوا القهوة فذهبوا ليشربوها؛ فقال: في مثل هذه الساعة تهتمون بالقهوة؟ قالوا: والله يا بيك نتقهوى ولو كان في خشم الأسد.
وللعرب بالقهوة اهتمام عظيم حتى أنهم من اهتمامهم بها نحتوا من اسمها فعلًا هو تقهوى يتقهوى تقهويًا، وتوسعوا في معنى هذا الفعل حتى شمل الشاهي والطعام يؤكل في الصباح فهم يقولون (أُقلط تقهوى) أي تفضل اشرب القهوة أو اشرب الشاهي أو كل. . . وقد يقولون اتقهوى شاهي. . .
هذه هي القهوة، وهي لذيذة نافعة لا يقوم مقامها شيء في إراحة الجسم بعد التعب الشديد والسير في الصحراء تحت الشمس المحرقة، وقد جربنا ذلك بأنفسنا. أما الشاهي - اعتنى النجدي منه - فسمّ ناقع يشرب فيه شاربه المرض والحمّى. ذلك أنهم يأخذون الشاي الأحمر فيغلونه على النار، ثم يغلونه حتى يصير أسود مثل دم الغزال - على حد تعبيرهم - ويشربون منه كؤوسًا كثيرة، ولو أنك كنت في ضيافة أمير أو شيخ من مشايخ البدو لم يمر عليك دقيقتان لا يقدم لك فيهما قهوة أو شاهي ولا تفتأ تسمع الأمير أو الشيخ يصفق وينادي:
قهوة. شاهي. شاهي. قهوة، فتصور مجلسًا على هذه الحال يمتد ساعتين أو ثلاثًا.
تلك هي القوة. وذلك مبلغ غرامهم بها. . .
(لها بقايا)
علي الطنطاوي