الفكر فتح الباب فإذا بهرمان واقفًا تجاهها. فارتعدت الفتاة وقالت: (أين. . . كنت؟)
فرد مطرقًا: (في غرفة الكونتس. . . لقد تركتها منذ لحظة. . . ميتة) .
(يا للسماء!! ماذا تقول؟) فاستطرد هرمان: (أخشى أن أكون سبب موتها) . ثم جلس بجوار النافذة وشرع يقص عليها أنباء مغامراته، فأدركت أن عبارات الوجد والهيام التي كتبها والساعات الطويلة التي قضاها واقفًا أمام نافذتها لم يُمِلها الحب الصادق بل حب المال. . . المال الذي سيطر على قطب تفكيره فجعله يستخدمها أداة طيعة في يده. . . المال الذي صيره مجرمًا أثيمًا.
ولم تتمالك الفتاة نفسها منة البكاء في مرارة وألم، ولكنه أخذ يراقبها في سكون دون أن تلين قلبه دموعها التي ذرفتها ولا جمالها الذي زاده الحزن سحرًا وفتنة، ولم يلق بالًا إلى موت الكونتس في ذاته، وإنما أحزنه أنها دفنت سرها معها.
وعاد إلى الصمت فلم يتبادلا كلمة ولا نظرة حتى بدت طلائع الفجر فانسحب الضابط من حيث أتى وما لبث أن احتواه الطريق.
مضت أيام ثلاث دخل هرمان بعدها الدير الذي رقدت فيه الكونتس ليؤدي لها واجب الاحترام الأخير. . . ولكن هذا لم يكن قصده الحقيقي، وإنما كان - ككل رجل لم يتسرب إلى قلبه شعاع من الإيمان - شديد التشاؤم والتطير، فخيل إليه أنه لو قصر في أداء هذا الواجب لحلت عليه لعنة روحها واستحق غضبها، وإذ ذاك رأى أن يرضيها من هذا الطريق.
دخل هرمان القاعة فوجد جسدها مسجى على فراش من المخمل الأسود وقد أحاطه خدمها حاملين الشموع. . . وبدأ المكان رهيبًا. ولما حان دور الضابط تقدم منها فانحنى قليلًا، وفجأة صور له الوهم أن عيني المرأة تتطلعان إليه وأنهما فتحتا فتطاير منهم الشرر. . . ارتعد هرمان واختلج جسمه ثم ارتمى على من خلفه وقد غمر وجهه الشحوب، وفي نفس اللحظة كانت ليزابيتا في أقصى المكان قد أغمي عليها.
خرج هرمان وقد تملكه الرعب والفزع فتوجه إلى حانة حيث جلس يحتسي كؤوس النبيذ ليرفه عن نفسه المكروبة. ولما حان المساء عاد إلى بيته فاستلقى على الفراش وغرق في