مظهر الوحي الإلهي من أمر أو نهي ليرده إلى أصله الذي صدر عنه ومبدئه الذي درج منه. فقال فريق (الأشاعرة) : إن الله تعالى في أمره ونهيه وجماع تعاليمه التي يلقنها الأنبياء بالوحي، ليس يفعل سبحانه إلا ما يشاء ولا يشرع إلا ما يريد، فهو تعالى رب العالمين ومالك الملك كله لا يسأل عما يفعل؛ وينبني على هذا دستور الأشاعرة في التشريع السماوي، وهو أن ما يأمر به الله العلي القدير حسن جميل، وما ينهى عنه هو القبيح الرديء.
وأما المعتزلة فمال فقهاؤهم إلى النظر في صفات الله تعالى من لطف وحكمة ورحمة وعلم، وفضلوا أن يجعلوا منها مصدرًا بدهيًا لما يوحي به الله إلى رسله من نهج ومن شرعة. فهو على قدرته تعالى في تحريم ما شاء والأمر بما شاء، لا يخالف منطق العقل فيما نهى أو أمر؛ أي أنه تعالى لا يأمر إلا بما يراه العقل حسنًا من قبل، ولا ينهى إلا عما يراه العقل قبيحًا من قبل.
والعقل أيضًا عند هذه الطائفة، هو المنظم لأحوال المجتمع الإسلامي قبل مجيء الرسل وبعث الأنبياء، فهو الذي يهدي الأفراد والجماعات إلى فعل ما يدركون أنه حسن بالفطرة، وهو دافعهم إلى أن ينتهوا عما بان قبحه وظهر ضلاله وخبثه وخالف حكم العقل مخالفة صريحة. وإذا كانت الجنة مثوى من أطاع شرع الله ونفذ أحكامه وانتهى بنواهيه، وإذا كانت النار قرارًا لمن عصوا ربهم فارتكبوا محارمه وقارفوا مناكر ما نهوا عنه وصدوا عن سبيله، فإن العقل أيضًا هو المجيز المثيب وهو المعاقب المؤاخذ. فقدرة العقل على أن يستقل بإدراك الحسن والقبح في الأفعال، وعلى تقدير ما يترتب على فعل الحسن من استحقاق الثواب وما ينجم عن فعل القبيح من استحقاق العقاب، يصح أن يعد مصدرًا لتعريف حكم الله تعالى ودستورًا، من باب أولى، لتشريع السماء، بله أحكام الفقهاء.
فالتشريع، سواء أكان من وحي السماء أم من وضع البشر في عصور ما قبل الرسل، يراه فقهاء المعتزلة كاشفًا ومقررًا لما أدركه العقل من قبل. فهو كما ذكرنا لا يستنكر إلا ما يراه قبيحًا، ولا يرضى إلا بما يراه حسنًا. وفي كلا الحكمين يعتمد على فطرته الهادية وذوقه المرهف وإدراكه السليم. ولما كانت أحكام الله عند تشريعها قد قصد بها أن تحكم مصالح العباد وتنظم الروابط الاجتماعية بين الأفراد، وبالجملة تهدي الناس إلى التي هي أقوم،