من أمر هذا العلم إلا شيء واحد، هو أن هذه العقيدة قد دفعت بالمسلمين إلى تزيين ما أخرجته أيديهم من المصنوعات أو شيدوه من العمائر بالآيات القرآنية والعبارات الدينية، والصيغ المختلفة للمدح أو الدعاء، طلبًا لما وراءها من الخير والبركة. ولقد كان لهذا أثر بعيد في فن الخط، إذ أصبح مضروبًا مشتركا في جميع فروع الفن الإسلامي، وتحكمت المادة التي يكتب عليها في شكل الحروف، فظهرت لها صور مختلفة على الآثار المختلفة، وأصبحت على الحجر غيرها على الخشب، وعلى النسيج غيرها على الخزف. وفي الحق لقد كانت إجادة الفنان المسلم لفن الخط بوحي من الإسلام، ولم تتجل عبقريته الفنية في ناحية من نواحي الفن الجميل بقدر ما تجلت في هذه الناحية: خلق من تلك الحروف ذات الأشكال المتباينة والأوضاع المختلفة طرازًا زخرفيًا تبدو فيه صور من الجمال شتى، بعضها يفيض بالقوة، وبعضها يفيض بالرقة والأناقة، أوحت إليه الحروف العربية برؤوسها وسيقانها وأقواسها ومداتها بعناصر زخرفية ما كاد يرسمها حتى بعثت فيه تلك اللذة البريئة التي يحس بها الفنان عندما يشاهد أثرًا جميلًا، فاندفع في هذا التيار يبتكر الزخارف والنقوش، غير آبه بما تفرضه عليه أصول الخط من المستلزمات، ولا بما يسببه للقارئ - في بعض الأحيان - من الإعنات، بل كان همه أن يرضي الفن فحسب، فتارة يجعل الحروف متجمعة كأنها شجرة كثيفة الأغصان وطورًا يرسمها متباعدة، كأنما هي بستان انتثرت فيه الأزهار، وتارة يريك من التنوع الجميل بين الحروف القائمة والحروف المستديرة ما ينتزع منك الإعجاب انتزاعًا، ويرغمك على أن تقر له بالتفوق والنبوغ. ولشد ما كان يضحي على مذبح الفن بالكثير من قواعد الخط، ويتركنا نقاسي من الجهد شيئًا عظيما حتى نهتدي إلى ما يريد، وقد لا نهتدي.
(يتبع)
محمد عبد العزيز مرزوق
الأمين المساعد بدار الآثار العربية