على شرط واحد، وهو أن تسلب منك تلك الشخصية شهورًا ثلاثة فحسب، ثم ترد إليك إلى الأبد، فماذا أنت قائل؟
تراسيماكوس - لا أتردد في القبول فرحًا راضيًا.
فيلاليش - ولكنك تعلم أنا لو سلبناك الوعي والشعور حينًا من الدهر، ثم بعثنا فيك اليقظة والحياة، فلن تدرك كم لبثت في غيبتك إلا أن يقص عليك نبؤها بعد البعث. فهؤلاء أصحاب الكهف أووا إلى كهفهم فضرب الله على آذانهم عدة سنين، ثم بعثهم، فقال قائل منهم كم لبثتم؟ قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم؛ مع أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا. فإن كنت كهؤلاء ستفقد إدراك الزمن، فما ضرك لو أطلنا أمد الرقاد المفروض إلى آلاف ثلاثة من السنين؟
تراسيماكوس - لا شئ، أحسبك مصيبًا فيما تقول!
فيلاليش - وإذا فرضنا أن تلك الآلاف الثلاثة قد تعاقبت عليك في رقدتك، وأن أحدًا لن يوقظك بعدها، أفتظن أن في ذلك وبالًا عليك؟ اللهم لا! فإن كانت عشرات قليلة من السنين قد عودتك الحياة وربطتك بها ربطًا وثيقًا، يعز عليك كثيرًا أن تنفصم عراه، أليس أجدر بذلك الأمد المديد أن يعودك الموت ويوثق بينك وبينه الصلات؟ وأحسب أنك لو ظفرت بمن يبعثك ويرد إليك وعيك المفقود، لن ترضى عندئذ أن تطرح حالًا لابستك طول ذلك العهد الطويل، وسيزيد في اطمئنانك حينذاك علمك أن هذه القوة السحرية العجيبة التي تحببك في الحياة الآن، ستظل تنشر من الأحياء ملايين وملايين لا تنفك متعاقبة إلى الأبد.
تراسيماكوس - ما أبرعك في الحوار، وما أروعك في سحر المنطق وطلاوة الحديث!! إني لأكاد أستخف بشخصي وأستصغر حياتي، التي طالما أحببتها وحرصت عليها أشد الحرص ولكن هيهات، فلن أنخدع بهذا الإغراء، وما زلت أريد بعد هذا كله أن أحيا بهذه الشخصية نفسها.
فيلاليش - يا رعاك الله! كأنما بلغت شخصيتك من الكمال شأوًا بعيدًا، بحيث يعز ضريبها على الدهر، وكأنك عاجز الخيال لا تستطيع أن تتصور حالًا خيرًا وأسمى؟ عجبًا! ألا تريد أن تستبدل بنفسك الناقصة المحدودة نفسًا أسمى مرتبة وأبقى خلودًا؟
تراسيماكوس - ولكنني يا صديقي لست أملك في ذلك اختيارًا، فشخصي بالغًا ما بلغ من