فعميت عن أن ترى هنا غير خواطرك السود وتفعم الشاطئ والبحر معًا وتسدل بينك وبين الحياة سترًا ثقيلًا (قلت) ها. . . ها! وَيْ كأنَّ حاجة في نفسك دفعتك إلى أن توهمني بأن أعباء تثقلني لتبلغ غاية في نفسك! (قال) فما بالي أراك ساكتًا في سهوم تنضم على خطرات قلبك وتنطوي على دفعات نفسك تغضي الطرف عن الدنيا في قناعة وتكبت القلب عن المتعة في زهد ومن حواليك بسمات الشاطئ تتكشف عن نشوة ولذة (قلت) وماذا عساي أن أفعل وأنا من ترى؟ ثم أشرت إلى شعرات بيض تلمع في فودي. فقال (أرى؟ أرى؟) ثم جذبني وهو يضحك في سخرية ويقول (أراك شاب القلب واليد واللسان!)
وألقيت السلم إلى صاحبي وفي رأيي أنني أهرب من سجني. . . من المظلة والكتاب، وخُيَّل إليَّ أن المظلة هي سجن جسمي وأن الكتاب هو سجن عقلي، فانطلقت إلى جانبه.
واندفع صاحبي ينشر أمامي تاريخ قلبه منذ أن فزعنا من لظى القاهرة إلى ربيع الإسكندرية، ومنذ أن انطلق هو على سنته تدفعه حرية الشباب والعزوبة، وجلست أنا تحت المظلة تقيدني أغلال الرجولة والأسرة. وقال فيما قال. . . ورأيت هنا ربة الشاطئ، وهي فتاة أشربت روح الخمر، في جسمها نشوة، وفي عطرها سكر، وفي نظراتها سحر، هي زهرة الشاطئ اليانعة وجماله الخلاب وروحه الرفافة، وهي. . . (فقلت مقاطعًا) كفى! لقد أصبحت شاعرًا وعهدي بك بليد اللسان بليد العاطفة. ولا عجب، فالشاطئ الآن - في ناظريك - يلد ألف ربة (قال) لا تعجب فسأريكها.
وأقبلت ربة الشاطئ تتهادى في رقة وتخطر في دلال فتعلق بها بصري ما يطرف، ورأيت فتاة تشع جمالًا يعصف بالقلب ويعبث بالفؤاد، وهي تسير الهويني في تبَّان أنيق حاكته يد صناغ فبدت عليه سمات الذوق السليم والفن السامي، وإنه ليكشف عن فتنة يقظي ويواري فتنة عارمة، وإن نسمات البحر الهادئة تداعب شعرها الذهبي المرسل فيضطرب على كتفيها ويداري صفحة خدها الأسيل حينًا ويكشف عنها حينًا فتتراءى الروعة والبهاء من خلالها. ورأيت في نظراتها عزوفًا عن التطلع وفي مشيتها كبرياء الأنفة وفي حركتها امتهانًا للنظرات النهمة وفي أذنيها وقرًا عن كلمات الإعجاب والملق، كأنها تعيش في عالمها هي. . . عالم الجمال والسحر والفتنة، عالم السمو الترفع والصلف. ومرَّت بي فأحسست بقلبي يعربد بين ضلوعي في شدَّة وعنف ويتشبث بها في إصرار وعناد فوهي