حرست عقرب صدغي خدي ... وحمت حية شعري الرضابا
ويح من يطلب من وجنتي ال ... ورد أو من شفتي الشرابا
ثم تخلص من هذا الغزل الذي لا يناسب مقام النبي عليه السلام تخلصًا مرذولا. فقال:
حق من كان له حب سلمى ... شغلا أن يستلذ العذابا
ومن يمدح خير البرايا ... أن يرى الفقر عطاء حسابا
وقد شبه البوصيري نفسه بحسان بن ثابت. فقال يخاطب الرسول:
فادعني حسان وزدني ... أنني أحسنت عنه المنابا
(د) هذه الرحلة:
ولما رجع البوصيري إلى مصر نظم تلك الهمزية المشهورة وسماها (أم القرى في مدح خير الورى) . بدأها بمدح الرسول ثم قص علينا تفاصيل رحلته إلى الحجاز وذكر لنا كثيرًا من الأماكن التي مر بها. ومنها نرى أنه سلك الطريق البري الذي يمر بأيله وينحدر جنوبا إلى الحجاز. ولم يذكر في هذه القصيدة أنه ركب بحرًا ثم أخذ يذكر لنا ما قام به من مناسك الحج كالسعي والطواف ورمي الحجار. ثم وصف وقوفه أمام أبواب الرسول. واستوعب البوصيري في هذه القصيدة كثيرًا من أخبار السيرة النبوية وناقش النصارى ورد على اليهود، وبكى على آل البيت وأثنى علىأبيبكر وعمر وعثمان، وعدد كثيرًا من مناقب هؤلاء الخلفاء وذكر جميع كبار الصحابة ولم يستثن منهم سوى عمرو بن العاص ومعاوية بن أبيسفيان فإنه لم يقل فيمها شيئًا ولم يذكرهما البتة. ثم ختم هذه القصيدة بالدعاء والاستغاثة والتوسل والتضرع.
(و) طيف الرحلة:
والظاهر أن البوصيري رأى بعد رجوعه من الحجاز بمدة من الزمن قومًا ذاهبين لأداء هذه الفريضة فتذكر رحلته التي قام بها ووقوفه أمام الضريح النبوي كما تذكر الأماكن التي مر بها في أثناء تلك الرحلة. وأخذت الذكريات تعاوده فأشتد شوقه وعظم حنينه وسالت الدموع من مآقيه ومن هنا نفهم السر في قوله:
أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم
هل أصيب الرجل بفالج؟