أتاك بناة العقل، من عهد آدم ... وهم حوله نبع نثر مناهله
يجيء لهم طفلا، غريرًا مدثرا ... بثوب غرير الوعي، هبل غلائله
يمد يدًا ظمآى، وأخرى لعلها ... تشير إلى رى بعيد تحاوله
تلفوه سفحًا جاهلا في مفازة ... بها عبهب الإظلام طنت مجاهله
عنيد الدحي، إن خالس النور ليله ... يضئ، وإن يفجأ حماه يصاوله
سقوا مهده خطو الرسالات رحمة ... وكدحًا صبورًا لا تئن معاوله
وشقوا ثراه، فاستحال يبابه ... حقولا، عليها العلم صافت سنابله
وخلوا جناها للحياة، فإنهم ... هداها، وهم في كل شعب دلائله
فإن شئت بعثًا للبلاد، فهذه ... يد الله فوق الجهل، هذى جحافله
بنان، وإيمان، ولوح، ووقفة ... وما بعد هذا، كله أنت خاذله.
أتوك. . . فجاء والذي سارق الحجا ... فخرت له أبراجه ومنازله
له منطق النور المبين، إذا هوى ... على الشك راحت تستجير مقاتله
يمزق بالتبيان كل مطلسم ... من الرأي حتى تستبين دخائله
وينفض أسرار النفوس بيانه ... كما لو رواها كل طيف تزاوله
إذا رق فالأسحار لحن بكفه ... وطير الربى ناي رخيم يغازله
وإن مس ظلمًا، خلت نارًا وعاصيفًا ... وذكرى هشيم في الفيافي تقابله
يسير وحب النيل لحن مقدس ... يهز به سمع الضحى ويطاوله
تطوف على الدنيا خطاه، كأنها ... لمصر نشيد لا تكل فواصله
فكم رحلة للغرب طارت بذكرها ... وغنت بواديها العزيز رسائله
يحب ضنى الأسفار حبًا لمجدها ... وتشجيه أشجان السرى وشواغله
رآي العلم مأسور الضياء، كأنه ... شقي على الأصفاد شدت سلاسله
أقاموه في سوق تعاوت دروبه ... وصدت أياديه وسدت مداخله
ونادى مناد فوق أعتاب بابه ... بصوت جهير الظلم بحث غوائله
هنا لألف العصماء، عود ممنع ... من العزة القعساء شيدت حوائجه
هنا الباء طير عبقري مجنح ... على طيفه يبكي من اليأس حابله