الاعتقاد للبيهقي بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا القاضي الفقيه الإمام العالم الصدر الكبير ، شيخ القضاة ، بقية المشايخ ، الزاهد العابد الورع ، جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري أثابه الله الجنة ، بقراءتي عليه في يوم الجمعة منتصف رمضان من سنة تسع وستمائة بزاوية الخضر من جامع دمشق . قلت له: أخبرك الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن سليمان المرادي قراءة عليه وأنت تسمع فأقر به ، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي قلت للقاضي: وأخبرك أبو عبد الله الفراوي إجازة فأقر به قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الحافظ قراءة سنة خمسين وأبعمائة قال: الحمد لله الذي خلق الخلق كما شاء لما شاء ، واختار من الخلق لرسالته والدعاء لمعرفته والتمسك بطاعته من شاء ، وهدى إلى إجابة دعوته واجتناب معصيته بما أقام من البينات وأظهر من الآيات من شاء ، ووعد لأهل طاعته ما أعد لهم في الجنة من الثواب كما شاء ، وأوعد أهل معصيته بما أعد لهم في النار من العقاب كيف شاء ، لا معقب لحكمه ، كما قال جل ثناؤه في محكم كتابه الذي أنزله على نبينا محمد A وعلى آله: ( وربك يخلق ما يشاء ويختار(1) ) ، وقال: ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس(2) ) ، وقال: ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده(3) ) إلى قوله: ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما(4) ) ، وقال: ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم(5) ) ، وقال: ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) ، وقال: ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) ، وقال: ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين(6) ) ، فمن آمن وأصلح ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ) . فالحمد لله على جميع نعمه ، وصلى الله على كافة رسله ، وخص نبينا محمدا بأفضل الصلاة والتحية والبركة ، وآتاه ما وعده من الوسيلة والفضيلة والرفعة في الدنيا والآخرة ، وبعثه يوم القيامة مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون ، وجمع بيننا وبينه في جنات النعيم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وخير الغافرين . أما بعد ، فإني بتوفيق الله سبحانه وتعالى صنفت فيما يفتقر أهل التكليف إلى معرفته في أصول العلم وفروعه ما قد انتشر ذكره في بعض البلاد ، وانتفع به من وفق لسماعه وتحصيله من العباد ، غير أن جل ما يحتاج إلى معرفته من ذلك للاعتقاد على السداد مفرقة في تلك الكتب ، ولا يكاد يتفق لجماعتهم الإتيان على جمعها والإحاطة بجميعها ، فأردت والمشيئة لله تعالى أن أجمع كتابا يشتمل على بيان ما يجب على المكلف اعتقاده والاعتراف به مع الإشارة إلى أطراف أدلته على طريق الاختصار ، وما ينبغي أن يكون شعاره على سبيل الإيجاز ، فاستخرت الله D في ذلك وفي جميع أموري ، وابتدأت به مستعينا بالله عز اسمه على إتمامه ، وأسأله أن يجعلني والناظرين فيه ممن يخصه بجميل إنعامه وإكرامه ، وجزيل إحسانه وامتنانه ؛ إنه وليه والقادر عليه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله
(1) سورة: القصص آية رقم: 68
(2) سورة: الحج آية رقم: 75
(3) سورة: النساء آية رقم: 163
(4) سورة: النساء آية رقم: 165
(5) سورة: يونس آية رقم: 25
(6) سورة: الأنعام آية رقم: 48