فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 407

باب القول في إثبات رؤية الله D في الآخرة بالأبصار قال الله D: ( وجوه يومئذ(1) ) يعني: يوم القيامة ، ( ناضرة ) يعني: مشرقة ، ( إلى ربها ناظرة(2) ) ، وليس يخلو النظر من وجوه: إما أن يكون الله D عنى به نظر الاعتبار كقوله: ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت(3) ) ، أو يكون عنى به نظر الانتظار كقوله: ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة(4) ) ، أو يكون عنى به نظر التعطف والرحمة كقوله: لا ينظر الله إليهم ، أو يكون عنى الرؤية كقوله: ( ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت(5) ) ، ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله: ( إلى ربها ناظرة ) نظر التفكر والاعتبار ؛ لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار ، وإنما هي دار اضطرار ، ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار ؛ لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار ؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير ، والآية خرجت مخرج البشارة ، وأهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم والنعيم المقيم ، فهم ممكنون مما أرادوا وقادرون عليه ، وإذا خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله: ( إلى ربها ناظرة ) نظر الانتظار ؛ ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمعناه: نظر العينين اللتين في الوجه كما قال تعالى: ( قد نرى تقلب وجهك في السماء(6) ) ، وأراد بذلك تقلب عينيه نحو السماء ؛ ولأنه قال: ( إلى ربها ناظرة ) ، ونظر الانتظار لا يكون مقرونا بـ « إلى » لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار: « إلى » ، ألا ترى أن الله D لما قال: ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة ) لم يقل: « إلى » ؛ إذ كان معناه الانتظار ، وقالت بلقيس فيما أخبر الله عنها ( فناظرة بم يرجع المرسلون(7) ) ، فلما أرادت الانتظار لم تقل: « إلى » . قلنا: ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة ؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم ، فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر ، وهو أن معنى قوله: ( إلى ربها ناظرة ) أنها رائية ترى الله D ، ولا يجوز أن يكون معناه: إلى ثواب ربها ناظرة ؛ لأن ثواب الله غير الله ، وإنما قال الله D: ( إلى ربها ) ، ولم يقل: إلى غير ربها ناظرة ، والقرآن على ظاهره وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة ، ألا ترى أنه لما قال: ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون(8) ) ، لم يجز أن يقال: أراد ملائكتي أو رسلي ، ثم نقول: إن جاز لكم أن تدعوا هذا في قوله: ( إلى ربها ناظرة ) جاز لغيركم أن يدعيه في قوله: ( لا تدركه الأبصار(9) ) ، فيقول: أراد بها: لا تدرك غيره ، ولم يرد أنها لا تدركه الأبصار ، وإذا لم يجز ذلك لم يجز هذا ، ولا حجة لهم في قوله: ( لا تدركه الأبصار ) ، فإنه إنما أراد به: لا تدركه أبصار المؤمنين في الدنيا دون الآخرة ، ولا تدركه أبصار الكافرين مطلقا ، كما قال: ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون(10) ) . فلما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أنه يثيب المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حتى يروه ، ولما قال في وجوه المؤمنين: ( وجوه يومئذ ) ، فقيدها بيوم القيامة ووصفها ، فقال: ( ناضرة ) ثم أثبت لها الرؤية فقال: ( إلى ربها ناظرة ) ، علمنا أن الآية الأخرى في نفيها عنهم في الدنيا دون الآخرة ، وفي نفيها عن الوجوه الباسرة دون الوجوه الناضرة جمعا بين الآيتين حملا للمطلق من الكلام على المقيد منه ، ثم قد قال بعض أصحابنا: إنما نفى عنه الإدراك دون الرؤية . والإدراك هو الإحاطة بالمرئي دون الرؤية ، فالله يرى ولا يدرك ، كما يعلم ولا يحاط به علما ، ومما يدل على أن الله D يرى بالأبصار قول موسى الكليم عليه السلام ( رب أرني أنظر إليك(11) ) ، ولا يجوز أن يكون نبي من الأنبياء ، قد ألبسه الله جلباب النبيين وعصمه مما عصم منه المرسلين ، يسأل ربه ما يستحيل عليه ، وإذا لم يجز ذلك على موسى عليه السلام فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا ، وأن الرؤية جائزة على ربنا D ، ومما يدل على ذلك قول الله D لموسى عليه السلام: ( فإن استقر مكانه فسوف تراني ) ، فلما كان الله قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى ، فدل ذلك على أن الله قادر على أن يري نفسه عباده المؤمنين ، وأنه جائز رؤيته ، وقوله: ( لن تراني ) أراد به في الدنيا دون الآخرة بدليل ما مضى من الآية ؛ ولأن الله تعالى قال: ( تحيتهم يوم يلقونه سلام(12) ) ، واللقاء إذا أطلق على الحي السليم لم يكن إلا رؤية العين ، وأهل هذه التحية لا آفة بهم ؛ ولأنه قال: ( ولدينا مزيد(13) ) ، وقال: ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة(14) ) . وقد فسر رسول الله A المبين عن الله D ، فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه ، والتابعين الذين أخذوا عن الصحابة أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى ، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية الله D في الآخرة بالأبصار ، ونحن ذاكرون أقوال بعضهم على طريق الاختصار ، فقد أفردنا لإثبات الرؤية كتابا ، وبالله التوفيق

(1) سورة: القيامة آية رقم: 22

(2) سورة: القيامة آية رقم: 23

(3) سورة: الغاشية آية رقم: 17

(4) سورة: يس آية رقم: 49

(5) سورة: محمد آية رقم: 20

(6) سورة: البقرة آية رقم: 144

(7) سورة: النمل آية رقم: 35

(8) سورة: البقرة آية رقم: 152

(9) سورة: الأنعام آية رقم: 103

(10) سورة: المطففين آية رقم: 15

(11) سورة: الأعراف آية رقم: 143

(12) سورة: الأحزاب آية رقم: 44

(13) سورة: ق آية رقم: 35

(14) سورة: يونس آية رقم: 26

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت