283 -ومنها ما أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، ومحمد بن موسى ، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا يونس بن بكير ، عن إسماعيل بن عبد الملك ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال: خرجت مع رسول الله A في سفر وكان رسول الله A إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد ، فنزلنا منزلا بفلاة من أرض ليس فيها علم ولا شجر ، فقال لي: « يا جابر ، خذ الإداوة (1) وانطلق بنا » ، فملأت الإداوة ماء وانطلقنا فمشينا حتى لا نكاد نرى فإذا شجرتان بينهما أذرع ، فقال رسول الله A: « يا جابر ، انطلق فقل لهذه الشجرة: يقول لك رسول الله A: الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما » ، ففعلت ، فزحفت حتى لحقت بصاحبتها ، فجلس خلفهما حتى قضى حاجته ، ثم رجعنا فركبنا رواحلنا (2) فسرنا فكأنما علينا الطير تظلنا ، فإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول الله A معها صبي تحمله ، فقالت: يا رسول الله ، إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه ، فوقف رسول الله A ، فتناوله ، فجعله بينه وبين مقدمة الرحل ، فقال رسول الله A: « اخسأ عدو الله ، أنا رسول الله » ، فأعاد ذلك ثلاث مرات ، ثم ناولها إياه ، فلما رجعنا ، فكنا بذلك الماء عرضت لنا المرأة معها كبشان تقودهما والصبي تحمله ، فقالت: يا رسول الله ، اقبل مني هديتي ؛ فوالذي بعثك بالحق نبيا إن عاد إليه بعد ، فقال رسول الله A: « خذوا أحدهما منها وردوا الآخر » ، ثم سرنا ورسول الله A بيننا ، فجاء جمل ناد ، فلما كان بين السماطين (3) خر ساجدا ، فقال رسول الله A: « أيها الناس ، من صاحب هذا الجمل » ؟ فقال فتية من الأنصار: هو لنا يا رسول الله ، قال: « فما شأنه » ؟ قال: سنونا عليه منذ عشرين سنة فلما كبر سنه وكانت عليه شحيمة فأردنا نحره لنقسمه بين غلمتنا ، فقال رسول الله A: « تبيعونيه » ؟ قالوا: يا رسول الله ، هو لك ، قال: « فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله » ، قالوا: يا رسول الله نحن أحق أن نسجد لك من البهائم ، قال رسول الله A: « لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن » . وقد روى عبادة بن الوليد ، عن جابر بن عبد الله قصة انقياد الشجرتين لنبينا A واجتماعهما حتى استتر بهما ، ثم افتراقهما وروى يعلى بن مرة ، عن أبيه ، وقيل: عنه دون أبيه أنه شهد هذه المعجزات الثلاث من رسول الله A كما شهدهن جابر وروينا في حديث ابن عباس دعاء رسول الله A العذق ونزوله من النخلة ومشيه إليه ورجوعه إلى مكانه . وفي حديث ابن عمر ، عن النبي A دعاءه الشجرة وإقبالها إليه حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا ، فشهدت أنه كما قال ، ثم رجعت إلى منبتها . وفي حديث سلمان الفارسي حين كاتب قومه على كذا وكذا نخلة يغرسها لهم ويقوم عليها حتى تطعم فجاء النبي A ، فغرس النخل كلها إلا نخلة واحدة غرسها غيره ، فأطعم نخله من سنته إلا تلك النخلة . وفي حديث جابر وغيره في قصة خيبر إخبار الذراع إياه بأنها مسمومة ، وفي حديث أبي سعيد الخدري شهادة الذئب لنبينا A بالرسالة ، وفي حديث النعمان بن بشير وسعيد بن المسيب شهادة زيد بن خارجة الأنصاري بعدما مات لنبينا A بالرسالة . وفي حديث روي عن عمر وغيره في شهادة الضب لنبينا A بالرسالة ، وفي حديث ربعي بن حراش شهادة أخيه بعدما مات لنبينا A بالرسالة ، وفي حديث الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن أشياخه شهادة الصبي الذي شب ولم يتكلم لنبينا بالرسالة ، وفي حديث معيقيب شهادة الرضيع لنبينا A بالرسالة ، وفي قصة أحد أن نبينا A أعطى عبد الله بن جحش عسيبا من نخل وكان قد ذهب سيفه ، فرجع في يد عبد الله سيفا ، وفي مغازي محمد بن إسحاق بن يسار ، ثم الواقدي في قصة بدر أن عكاشة بن محصن انقطع سيفه فأعطاه رسول الله A عودا فإذا هو سيف أبيض طويل القامة ، فلم يزل عنده حتى هلك ، وفي كتاب الواقدي أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم فأعطاه رسول الله A قضيبا كان في يده فقال: اضرب به ؛ فإذا هو سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد . وفي قصة بدر - وقيل: أحد - عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه ، فسالت حدقته على وجنته ، فدعا به رسول الله A ، فغمز حدقته براحته ، فكان لا يدري أي عينيه أصيبت . وعن رفاعة بن رافع أنه رمي يوم بدر بسهم ففقئت عينه ، فبصق فيها رسول الله A ودعا له فما آذاه ، وبصق في عين علي Bه يوم خيبر من رمد كان بها ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ، ثم لم يشك عينيه بعد ، وله من دعواته واستسقائه واستشفائه وإجابة الله تعالى إياه في جميع ذلك آيات كثيرة ودلالات واضحة ، ومعجزاته أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى ؛ وإنما نشير هاهنا من كل جنس إلى مقدار ما يتضح به ما قصدناه في هذا الكتاب ، وقد روينا أن جماعة من أصحاب النبي A رأوا جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي ودحية غائب ، ورأى جماعة من المشركين جماعة من الملائكة الذين أمد بهم رسول الله A يوم بدر ، ورأى سعد بن أبي وقاص يوم أحد رجلين أحدهما عن يمين النبي A والآخر عن يساره عليهما ثياب بياض يقاتلان عنه أشد القتال ما رآهما قبل ذلك ولا بعده وإذا هما ملكان . وأما إخبار النبي A عن الكوائن أيام حياته وبعد وفاته وظهور صدقه في جميع ذلك فهي كثيرة وهي في كتاب الدلائل منقولة ، فإنه A أخبر حين كان بمكة بما أفسدت الأرضة من صحيفة قريش ، فأتي بها فوجدت كما قال ، وحين أخبر عن مسراه إلى بيت المقدس ، ثم إلى السماوات السبع وكذب فيه ؛ أخبر عن عيرهم التي رآها في طريقه: عن قدومها ، وعن نبأ بيت المقدس ، فكان كما قال ، وأخبر أصحابه بما وقع لزيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة بمؤتة ، ونعاهم قبل أن يجيء خبرهم . ونعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، وأخبر عن كتاب حاطب بن أبي بلتعة ، وأخبر عن أشياء وجد تصديقه في جميعها ، ورواية جميع ذلك هاهنا مما يطول به الكتاب ووعد أمته الفتوح التي وجدت بعده وحذرهم الفتن التي بدت في آخر خلافة عثمان وظهرت عند قتله وبعده ، وأخبرهم بمدة بقاء الخلفاء بعده ، وأشار إلى الملوك الذين يكونون بعدهم من بني أمية ، ثم بني العباس فكانوا كما قال وسمى جماعة من أصحابه شهداء ، فأدركوا الشهادة بعده ، وأخبر بأن عبد الله بن سلام لا يدرك الشهادة غير أنه يموت على الإسلام فكان كما أخبر ، وأخبر عن البلاء الذي أصاب عثمان بن عفان ، وعن قتل عمار بن ياسر وقتل ابن ابنته الحسين بن علي ، وإصلاح الحسن بن علي ابن ابنته بين فئتين عظيمتين من المسلمين ، فوجد تصديقه في جميع ذلك ، ونعى نفسه إلى ابنته فاطمة ، وأخبر بأنها أول أهله لحوقا به ، فكان كما قال ، وبشر أمته بكفاية الله شر الأسود العنسي ومسيلمة الكذابين ، فكان كما أخبر ، وذكر أويسا القرني ووصفه بما وجد تصديقه بعده . وارتد رجل من الأنصار ، ولحق بالكفار وكان قد قرأ البقرة وآل عمران ، ثم مات ، فقال النبي A: « لا تقبله الأرض » ، فدفن مرارا ، فلم تقبله الأرض ولكل جنس من أجناس دلائل صدقه أشياء ذكرناها في كتاب دلائل النبوة ، ومن أراد معرفتها بأسانيدها رجع إليها إن شاء الله تعالى ، ولنبينا A مرتبة عظيمة ومنزلة شريفة بما كان له من خاتم النبوة ، وكانت له علامة ظاهرة في كتفه عرفه بها أهل الكتاب ، وبسائر صفاته التي وجدوه مكتوبا بها في كتبهم ، ثم بما كان من شق قلبه واستخراج حظ الشيطان منه ، وغسله ، وكان أمرا ظاهرا شاهده جماعة كانوا معه ، وكان أنس بن مالك يقول: كنت أرى أثر المخيط في صدره . ثم بما كان له من المعراج ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى ، وكان ذلك في اليقظة ، وكل ما أخبر عنه من رؤية من رآه تلك الليلة من الملائكة والنبيين والجنة والنار وغير ذلك من آيات ربه كان رؤية عين
(1) الإداوة: إناء صغير من جلد يحمل فيه الماء وغيره
(2) الرواحل: جمع راحلة وهي ما صلح للأسفار والأحمال من الإبل
(3) السِّماط: الجماعةُ من الناس والنخل. والمرادُ به في الحديث الجماعةُ الذين كانوا جُلوسا عن جانِبَيْه.