فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 407

35 -وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي ، أنا الحسن بن رشيق ، إجازة ، ثنا محمد بن سفيان بن سعيد ، ثنا محمد بن إسماعيل الأصبهاني ، بمكة قال: سمعت الجارودي ، يقول: ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل ابن علية فقال: أنا مخالف له في كل شيء ، وفي قوله: لا إله إلا الله ، لست أقول كما يقول ، أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء حجاب ، وذاك يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب قلنا: ولأن الله قال مخبرا عن المشركين أنهم قالوا: ( إن هذا إلا قول البشر(1) ) ، يعنون القرآن ، فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولا للبشر ، وهذا مما أنكره الله على المشركين ؛ ولأن الله تعالى قال: ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا(2) ) ، فلو كانت البحار مدادا يكتب به لنفدت البحار وتكسرت الأقلام ولم يلحق الفناء كلمات الله D كما لا يلحق الفناء علم الله ؛ لأن من فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت ، فلما لم يجر ذلك على ربنا D صح أنه لم يزل متكلما ولا يزال متكلما ، وقد نفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن وجهه . وأما قول الله D: ( إنه لقول رسول كريم(3) ) ، معناه: قول تلقاه عن رسول كريم أو سمعه من رسول كريم ، أو نزل به رسول كريم . فقد قال: ( فأجره حتى يسمع كلام الله(4) ) ، فأثبت أن القرآن كلام الله D ، ولا يكون شيء واحد كلاما للرسول A وكلاما لله ، دل أن المراد بالأول ما قلنا ، وقوله: ( إنا جعلناه قرآنا عربيا(5) ) معناه: سميناه قرآنا عربيا وأنزلناه مع الملك الذي أسمعناه إياه حتى نزل به بلسان العرب ليعقلوا معناه ، وهو كما قال الله D: ( ويجعلون لله ما يكرهون(6) ) ، يعني: يصفون لله ما يكرهون ولم يرد به الخلق . وقوله: ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون(7) ) يحتمل أن يكون معناه ذكرا غير القرآن ، وهو كلام الرسول A ووعظه إياهم بقوله ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين(8) ) ؛ ولأنه لم يقل: لا يأتيهم ذكر إلا كان محدثا ، وإنما قال: ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) ، فدل على أن ذكرا غير محدث ثم إنه إنما أراد ذكر القرآن لهم وتلاوته عليهم وعلمهم به ، وكل ذلك محدث ، والمذكور المتلو المعلوم غير محدث ، كما أن ذكر العبد لله وعلمه به وعبادته له محدث ، والمذكور المعلوم المعبود غير محدث ، وحين احتج به على أحمد بن حنبل C قال أحمد بن حنبل Bه: قد يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه محدث قال الشيخ C: وهذا الذي أجاب به أحمد بن حنبل C ظاهر في الآية ، وإتيانه تنزيله على لسان الملك الذي أتى به ، والتنزيل محدث ، وقد أجاب أحمد C بالجواب الأول . وأما تسمية عيسى بكلمة الله فعلى معنى أنه صار مكونا بكلمة الله من غير أب كما صار آدم مكونا بكلمة الله من غير أب ولا أم ، وقد بينه بقوله: ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون(9) ) . وقد روينا في الحديث الصحيح عن عمران بن حصين ، عن النبي A أنه قال: « وكتب في الذكر كل شيء » ، والقرآن فيما كتب في الذكر لقوله D: ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ(10) ) . وفي ذلك دلالة على قدم القرآن ووجوده قبل وقوع الحاجة إليه ، ومما يدل على ذلك الحديث الصحيح الذي

(1) سورة: المدثر آية رقم: 25

(2) سورة: الكهف آية رقم: 109

(3) سورة: الحاقة آية رقم: 40

(4) سورة: التوبة آية رقم: 6

(5) سورة: الزخرف آية رقم: 3

(6) سورة: النحل آية رقم: 62

(7) سورة: الأنبياء آية رقم: 2

(8) سورة: الذاريات آية رقم: 55

(9) سورة: آل عمران آية رقم: 59

(10) سورة: البروج آية رقم: 21

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت