القصص الفاحشة والروايات الخليعة ما أضرت قراءها كما أضرَّت هذا المؤلفات قراءها، فعلمتهم هذه الكتب دروس تعظيم المشايخ بدل عبادة الله وألوهيَّته، دروسًا لم يبق لإِزالة سمومها أي شيء، والتصوف مهما يختار فيه الاحتياط والاعتدال؛ لا بدَّ أنه يأتي معه سحر المكاشفات والكرامات والأمور الغيبية والتصرُّفات، ثم لما يختلط مع هذه الأشياء اعتقاد مريدي المشايخ؛ تتراكم الظلمات بعضها فوق بعض، حتى تكون هذه الأمور لأصول الشريعة الإِسلامية تحديًا، ومن هنا يضطر النقاد الذين عيارهم الكتاب والسنة إلى القول بأن التصوُّف سكر ومغنطة [1] وعدو للشريعة، وهؤلاء لمَّا يكتبون ويبيِّنون أحوال مشايخهم وأكابرهم؛ يفقدون جميع صلاحية النقد والبصيرة ما أفتوا وقضوا، حتى أفتوا في يوم من الأيام بأن في الفكر الديوبندي مقدارًا عظيمًا من التقليد الأعمى، والتعصُّب المذهبي مرٌّ لكنه حقٌّ وصواب مئة بالمئة.
وكل مّن يتعلَّق بهذا الفكر الديوبندي من العلماء يعتقد في نفسه بأن الذي فهم القرآن فهمًا جيدًا هو شيخنا الفلاني شيخ التفسير، وإن بلغ أحد إلى كنه الحديث؛ فهو المحدث الفلاني من مشايخنا، وإن أحرز أحد أسرار الولاية والنبوة ومعارف الطريقة والتصوف؛ فهو من مشايخنا.
ومع هذا الظن الحسن؛ اعتقدوا أن شيوخهم محفوظون عن الخطأ، ولا يمكن لهم القول بالعصمة؛ لأن العامي يعرف أن العصمة مختصة بالأنبياء، لكنهم بهذا الاصطلاح الجديد (أي: محفوظ من الخطأ) يزعمون أن مشايخهم معصومون عن الخطأ عملًا، ويتيقنون أن كل واحد من مشايخهم لا يقل عن بقراط وسقراط في العلم والعقل مع الزهد والتقوى.
(1) قوله:"مَغْنطة للشريعة"؛ أي: شديد الضرر عليها. قال الجوهري:" (الغنط) : أشد الكرب، يُقال: قد غنطه يغنطه غنطًا؛ أي: جهده، وشقَّ عليه؛ فهو مغنوط". انتهى.