اجتمع الكسائىّ واليزيدىّ عند الرّشيد، فجرت بينهما مسائل كثيرة، فقال له اليزيدىّ أتجيز هذين البيتين:
ما رأينا خربا ... نقر البيضة صقر
لا يكون العير مهرا ... لا يكون المهر مهر [1]
[60ب] فقال له الكسائىّ: يجوز على الإقواء، وحقّه: «لا يكون المهر مهرا» .
فقال له اليزيدىّ: فانظر جيّد [ا] ، فنظر ثم أعاد القول. فقال اليزيدىّ: لا يكون المهر مهرا محال في المعنى، مستو في الإعراب والبيتان جيّدان، كأنه قال:
المهر مهر، مبتدئا: أى لا يبلغه العير، وضرب بقلنسوته الأرض،
(1) فى الأصل: خربا ما رأينا، والخرب: ذكر الحبارى، القاموس مادة (خرب) ، وهذا الشعر ورد في ابن خلكان، في ترجمة اليزيدى، ونص عبارته:
«وحكى أبو أحمد جعفر البلخى في كتابه، أن اليزيدى المذكور سأل الكسائى عن قول الشاعر:
ما رأينا خربا ... نقر عنه البيض صقر
لا يكون العير مهرا ... لا يكون المهر مهر
الخرب: بفتح الخاء المعجمة والراء وفى آخرها الباء الموحدة: الذكر من الحبارى، والعير: بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها راء، وهو الذكر من حمر الوحش، فقال الكسائى: يجب أن يكون مهر منصوبا على أنه خبر كان، ففى البيت على هذا التقدير إقواء، فقال اليزيدى: الشعر صواب، لأن الكلام قد تم عند قوله (لا يكون) الثانية، وهى مؤكدة للأولى، ثم استأنف الكلام فقال: المهر مهر وضرب بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد، فقال له يحيى بن خالد البرمكى: أتكتنى بحضرة أمير المؤمنين، وإن خطأ الكسائى مع حسن أدبه لأحسن من صوابك مع سوء أدبك. فقال اليزيدى: إن حلاوة الظفر أذهبت عنى التحفظ. قلت أنا: قول الكسائى في البيت إقواء ليس بجيد، فان الاصطلاح على القوافى أن الإقواء يختص باختلاف الإعراب في حروف الروى بالرفع والجر لا غير، بأن يكون أحد البيتين مرفوعا، والآخر مجرورا فأما إذا كان الاختلاف بالنصب مع الرفع والجر، فإن ذلك يكون إصرافا لا إقواء، وإلى هذا أشار أبو العلاء المعرى في قوله من جملة قصيدة طويلة، يرثى بها الشريف الطاهر والد الرضى والمرتضى المقدم ذكرهما، وهو في صفة نعيب الغراب:
بنيت على الإيطاء سالمة من ال ... إقواء والإكفاء والإصراف
وهذا البيت متعلق بما قبله، ولا يظهر معناه إلا بذكر ما تقدم، ولا حاجة بنا إلى ذكره هنا، بل ذكرنا موضع الاستشهاد لا غير. وقد قيل: إن الإصراف من جملة أنواع الإقواء، فعلى هذا يستقيم ما قاله الكسائى. وهذا الفصل وإن كان دخيلا، لكنه ماخلا عن فائدة (ابن خلكان ترجمة أبى محمد يحيى بن المبارك ابن المغيرة) .