أهدى أحمد بن إسماعيل الكاتب [1] إلى صديق له دفترا فيه حدود الفرّاء [2]
وكتب على ظهره:
خذه فقد سوّغت منه مشبّها ... بالرّوض أو بالبرد في تفويفه [3]
نظمت، كما نظم السحاب، سطوره ... وتأنّق الفرّاء في تأليفه
وشكلته ونقطته فأمنت من ... تصحيفه ونجوت من تحريفه
بستان خطّ غير أن ثماره ... لا تجتنى إلا بشكل حروفه
وقال أبو تمام فأحسن إن كان أراد هذا المعنى:
إذا ما قيّدت رتلت وليست ... إذا ما أطلقت ذات انطلاق [4]
وهذا معنى مليح لمن صرفه إليه، يقول: إذا قيدت بالإعجام والشكل مشت للقارىء وسهلت عليه، وإذا أغفلت وأطلقت لم تستبن ولم تنطلق للقارئ.
وعندى أن أبا تمام أخذ هذا من قول رؤبة، وهو أوّل من اخترع هذا المعنى في قوله:
إذا تهجّى قارئ بهينمه [5] ... أخرج أسماء البيان معجمه
وحلق الّترقين أو موشمه ... يبدى لعينى غابر تفهّمه [6]
(1) هو أبو على نطاحة، أحمد بن إسماعيل بن الخصيب الأنبارى كاتب عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وكان بليغا مترسلا شاعرا أديبا، وبينه وبين عبد الله بن المعتز مراسلات وجوابات. وله مؤلفات كثيرة منها كتاب طبقات الكتاب، مات مقتولا، قتله عبد الله بن طاهر (الفهرست. معجم الأدباء) .
(2) ألف الفراء هذا الكتاب بأمر المأمون، وقد ذكر ابن النديم أبوابه، ومنها: حد الإعراب في أصول العربية. وحد النصب المتولد من الفعل. وحد المعرفة والنكرة الخ (فهرست ابن النديم) .
(3) يقال برد مفوف، أى رقيق، وقيل فيه خطوط بيض على الطول.
(4) رتل من باب علم: تناسق وانتظم حسنا. وفى الديوان: رتكت: عدت متقاربة الخطو.
وهذا البيت من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب ومطلعها:
ذرينى منك سافحة المآقى ... ومن سفحات عبرتك المراق
(5) الهينمة: القراءة الخفية. والأبيات من أرجوزة لرؤبة يمدح بها العباس بن السفاح مطلعها:
قلت لزير لم تصله مريمه ... ضليل أهواء الصبا يندمه
(ديوان رؤبة المخطوط بدار الكتب رقم 519أدب) .
(6) رواية الديوان: الترقيش، وهو والترقين بمعنى. والغابر: الناظر.