فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 585

جاء رجل إلى أبى عبيدة، فقال: أريد أن أقرأ عليك شعر الحطيئة [1] ، فقال:

اقرأ، فابتدأ فقال:

ظعن الّذين فراقهم أتوقّع [2] ... وخرى ببينهم الغراب الأنفع [3]

[28ب] قال: فوجّه أبو عبيدة إلى يونس: قد وقع طير من البادية [4] ، فاحضر. فاجتمعا، فقرأ الرّجل. فقال أبو عبيدة: ويحك، إن عذرت في تصحيفك الأوّل، لم تعذر في الثانى أما سمعت بغراب أبقع [5] ولا رأيته قطّ!

وقرأ رجل يوما على [أبى] عبد الله المفجّع [6] :

ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى ... أنيقا وبستانا من النّور خاليا

بالخاء المعجمة، فحرّك المفجّع رأسه، وقال: يا سيّد أمّه [7] ، فعلى أىّ شىء

(1) هو أبو مليكة جرول بن أوس العبسى، كان من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم، متفوقا في فنون الشعر، وبخاصة الهجاء، وكان سيىء الخلق والدين، جشعا سئولا، مولعا بالوقيعة بين الناس، نهما إلى تمزيق أعراضهم، فهابه الناس لذلك، واشتروا أعراضهم ببذل ما في طاقتهم. واضطر الخليفة عمر أن يشترى منه أعراض المسلمين جميعا بثلاثة آلاف درهم. وبلغ من حبه للهجاء أنه هجا نفسه، وهجا الزبرقان ابن بدر بقصيدة فيها البيت المشهور:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فانك أنت الطاعم الكاسى

فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب، وأنشده هذا البيت. فقال عمر: ما أسمع هجاء، ولكنها معاتبة، فقال الزبرقان: أما تبلغ مروءتى إلا أن آكل وألبس؟ فقال عمر: على بحسان، فلما جاء سأله، فقال: لم يهجه بل فضحه. فأمر به عمر، فألقى في بئر، فاسترحمه، فلم يلتفت إليه، فأنشده القصيدة التى أولها:

ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر

فأخرجه، وقال له: إياك وهجاء الناس، قال: إذن يموت عيالى جوعا، هذا مكسبى، ومنه معاشى.

وله في المدائح شعر حسن بليغ، وقد مات في أواخر خلافة عمر.

(2) فى الأصل ما يفيد أن الكلمة تروى أيضا: يتوقع.

(3) فى البيت تصحيفان: الأول في قوله: وخرى. وأصلها في الشعر: وجرى. والثانى: الأنفع، وأصلها: الأبقع، وهذا معنى قوله فيما سيجىء: إن عذرت في تصحيفك الأول، لم تعذر في الثانى.

(4) فى الأصل البابة، ومعنى البابة: الخصلة، كما نقله صاحب اللسان عن أبى العمثيل، ومن معانيها الغاية، كالباب في الحدود والحساب، واسم ثغر وهى غير مناسبة هنا، وقد يظن أنها محرفة عن «البادية» ، وقد سقطت الدال من الناسخ.

(5) يقال للغراب أبقع: إذا كان فيه بياض، وهو أخبث ما يكون من الغربان، فصار مثلا لكل خبيث.

(6) أبو عبد الله محمد بن عبيد الله المفجع الكاتب البصرى، لقى ثعلبا وأخذ عنه وعن غيره، وكان شاعرا شيعيا، وله قصيدة يسميها بالأشباح، يمدح فيها عليا عليه السلام، وبينه وبين أبى بكر بن دريد مهاجاة.

وله كتاب الترجمان في معانى الشعر وغيره (الفهرست لابن النديم 123) .

(7) الإضافة في «سيد أمه» هنا: للذم والتحقير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت