وأخبرنى محمد بن يحيى، عن السكرىّ، عن أبى حاتم، عن الأصمعى، عن أبى عمرو، قال: أنشدت الفرزدق، ويده في يدى، لابن أحمر [1] :
فإمّا زال سرح عن معدّ ... وأجدر بالحوادث أن تكونا
فلا تصلى بمطروق إذاما ... سرى بالقوم أصبح مستكينا [2]
فقال لى: أرشدك أم أدعك؟ قلت: ترشدنى، قال: إذا كان ممّن يسرى بالحىّ فليس بمطروق، وإنما هو إذا ما سرى في الحىّ، فعلمت أنى أغفلت ذاك، وأن الأمر كما قال، وهذا من التحريف لا من التصحيف.
وقوله: «فإمّا زال سرح عن معدّ» : يقول: إن هلكت وصرت إلى أن تتزوّجى غيرى، فلا تصلى. يقول: فلا تبلى [3] بمطروق: برجل فيه طرقة وطرّيقة، أى سترخاء. ويقال في مثل: «إنّ تحت طرّيقته لعندأوة [4] » : أى داهية.
وأخبرنى أبى، أخبرنا عسل، أخبرنا طابع، قال الأصمعىّ، حدثنا سفيان، قال حضرت أبا عمرو بن العلاء عند الأعمش، فحدّث عن عبد الله بن مسعود [5] ، قال: كان [39ب] رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة، فقال أبو عمرو: إنما هو يتخوّننا بالنون [6] ، فقال الأعمش: وما يدريك؟ فقال أبو عمرو:
(1) ابن أحمر: هو عمرو بن أحمر بن المعمر بن تميم بن ربيعة الباهلى من الطبقة الثالثة من الشعراء الإسلاميين، والخلاف في نسبه كثير (طبقات الشعراء ص 485ومعجم الشعراء ص 214) .
(2) الشعر يخاطب به زوجته، وقد ورد البيت الثانى في أساس البلاغة بهذا النص، وورد في اللسان في مادة «طرق» هكذا: (ولا تحلى ... إذا ما سرى في القوم)
(3) هكذا في الأصل، ولعلها مصحفة عن «فلا تبنى» : أى فلا تتزوجى، من البناء، وهو الزواج.
(4) فى القاموس: العندأوة كفنعلوة: العسر والالتواء والخديعة والجفوة والمقدم الجرىء كالعندأو، والمكر وأدهى الدواهى، و «تحت طريقتك لعندأوة» : أى تحت إطراقتك وسكوتك مكر (مادة: عندأ) .
(5) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب أبو عبد الرحمن الهذلى، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحد القراء السبعة، توفى سنة 32هـ (تهذيب التهذيب 6: 27) .
(6) جاء في النهاية لابن الأثير رواية عن أبى عمرو تخالف هذه الرواية، فقد روى النص: أنه كان يتخولنا بالموعظة: أى يتعهدنا من قولهم: فلان خائل مال، وهو الذى يصلحه ويقوم به، ثم قال:
وقال أبو عمرو: الصواب «يتحولنا» بالحاء: أى يطلب الحال التى ينشطون فيها للموعظة، فيعظهم فيها ولا يكثر عليهم فيملوا، وكان الأصمعى يرويه يتخوننا بالنون: أى يتعهدنا.