فأما طب القلوب ، فمسلَّم إلى الرّسل صلوات الله وسلامه عليهم ، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم ، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها ، وفاطرها ،وبأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، وأحكامه ، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابِّه ، متجنِّبَة لمناهيه ومساخطه ، ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك ، ولا سبيل إلا تلقيه إلا من جهة الرسل ، وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم ، فغلط ممن يظن ذلك ، وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية ، وصحتها وقوتها ، وحياة قلبه وصحته ، وقوته عن ذلك بمعزل ، ولم يميز بين هذا وهذا ، فلبيك على حياة قلبه ، فإنه من الأموات ، وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات .
وأما طب الأبدان: فإنه نوعان:
نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقة وبهيمة ، فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب ، كطب الجوع ، والعطش ، والبرد ، والتعب بأضدادها وما يزيلها .
والثاني: ما يحتاج إلى فكر وتأمل ، كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج ، بحيث يخرج بها عن الاعتدال ، إما إلى حرارة ، أو برودة أو يبوسة ، أو رطوبة ، أو ما يتركب من اثنين منها ، وهي نوعان: إما مادية ، وإما كيفية ، أعني إما أن يكون بانصباب مادة ، أو بحدوث كيفية ، والفرق بينهما أ، أمراض الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها ، فتزول موادها ، ويبقى أثرها كيفية في المزاج .
وأمراض المادة أسبابها معها تمدها ، وإذا كان سبب المرض معه ، فالنظر في السبب ينبغي أن يقع أولًا ، ثم في المرض ثانيا ، ثم في الدواء ثالثا .
أو الأمراض الآلية وهي التي تخرج العضو عن هيئته ، إما في شكل ، أو تجويف ، أو مجرى أو خشونة ، أو ملاسة ، أو عدد ، أو عظم ، أو وضع ، فإن هذه الأعضاء إذا تألفت وكان منها البدن سمي تألفها اتصالا ، والخروج عن الاعتدال فيه يسمى تفرق الاتصال ، أو الأمراض العامة التي تعم المتشابهة والآلية .
والأمراض المتشابهة: هي التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال ، وهذا الخروج يسمى مرضا بعد أن يضر بالفعل إضرارا محسوسا .
وهي على ثمانية أضرب: أربعة بسيطة ، وأربعة مركبة ، فالبسيطة: البارد ، والحار ، والرطب ، واليابس ، والمركبة: الحار الرطب ،الحار اليابس ، والبارد الرطب ، والبارد اليابس ، وهي إما أن تكون بانصباب مادة أو بغير انصباب مادة ، وإن لم يضر المرض بالفعل يسمى خروجا عن الاعتدال صحة