ونحن نقول: إن ها هنا أمرا آخر ، نسبة طب الأطباء إليه كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم ، وقد اعترف به حُذَّقُهم وأئمتهم ، فإن ما عندهم من العلم بالطب منهم من يقول: هو قياس . ومنهم من يقول: هو تجربة . ومنهم من يقول: هو إلهامات ، ومنامات ،وحدّس صائب . ومنهم من يقول: أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمية ، كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم تعمدت إلى السراج ، فتلغُ في الزيت تتداوى به ، وكما رؤيت الحيَّاتُ إذا خرجت من بطون الأرض ، وقد عشيت أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانج ، فتُمِرُّ عيونها عليها . وكما عهد من الطير الذي يتحقن بماء البحر عند انحباس طبعه ، وأمثال ذلك مما ذكر في مبادئ الطب .
وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره ، فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء (4) بل ها هنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء ، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم ، وأقيستهم من الأدوية القلبية ، والروحانية ، وقوة القلب ، واعتماده على الله ، والتوكل عليه ، والالتجاء إليه ، والانطراح والانكسار بين يديه ، والتذلل له ، والصدقة والدعاء ، والتوبة ، والاستغفار ، والإحسان إلى الخلق ،وإغاثة الملهوف ، والتفريج عن المكروب ، فإن هذه الأدوية قد جرَّبتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها ، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء ، ولا تجربته ، ولا قياسه .