الألباني في كتبه لا يفرق بين أحاديث الصحيحين وغيرها، فيقول حديث ضعيف رواه مسلم، أو حديث حسن، أو سنده ضعيف لوجود فلان فيه ولكن يحسن لشواهده، أو هذه لفظة منكرة أو شاذة، أو منكر بهذا اللفظ، أو لا يصح مرفوعًا، أو رواه مسلم وفيه فلان.
وهذا كله وأكثر منه ستراه في هذا القسم إن شاء الله تعالى، وهذه مناطحة غير مقبولة من أئمة الحفاظ للصحيحين، فضلًا عن موقف بعض الصحفيين من أهل عصرنا.
نعم موقف غير مقبول، يدعو للتأمل، والمقابلة بالجزم والشدة. وقد أحببت أن أنقل كلامًا لإمام من أئمة الحفاظ،له معرفة تامة بكل علوم الحديث هو الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي رحمه الله تعالى، يصف لنا حال الإمام مسلم بن الحجاج، وطبقته، وليكون هذا الوصف بمثابة تذكرة للمتعدي، وتبصرة للمهتدي بحال هذه الطبقة فلا يقدم على مخالفتهم بل يتوقف أمام إجماع الأمة ويتهم نفسه وعلمه، ورحم الله عبدًا عرف قدر نفسه، ولنعلم أن المكانة التي للبخاري ومسلم في نفوس الأمة لم تكن إلا عن استحقاق وجدارة وهو وصف عذب فياض بليغ، جدير بالدرس والتبليغ.
قال الإمام الحافظ ابن حبان البستي عند الكلام على طبقات المحدثين وتسلل أخذهم في مقدمة كتابه المجروحين [ص 57 - 60] : (( ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الانتقاد في الأخبار وانتقاء الرجال في الآثار جماعة منهم: محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن زيد الرازي، ومحمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في جماعة من أقرانهم أمعنوا في الحفظ، وأكثروا في الكتابة، وأفرطوا في الرحلة، وواظبوا على السنة والمذاكرة والتصنيف والمدارسة، حتى أخذ عنهم من نشأ بعدهم من شيوخنا هذا المذهب، وسلكوا هذا المسلك، حتى إن أحدهم لو سئل عن عدد الأحرف في السنن لكل سنة منها عدها عدًا، ولو زيد فيها ألف أو واو لأخرجها طوعًا، ولأظهر ديانة، ولولاهم لدرست الآثار واضمحلت الأخبار، وعلا أهل الضلالة والهوى، وارتفع أهل البدع والعماء، فهم لأهل البدع قامعون، بالسنن شأنهم دامغون.
(( حتى إذا قال وكيع بن الجراح: حدثنا النضر عن عكرمة، ميزوا حديث النضر بن عربي من النضر بن الخزاز، أحدهما ضعيف والآخر ثقة. وقد رويا جميعًا عن عكرمة وروى وكيع عنهما، وحتى إذا قال حفص بن غياث،وحتى إذا قال عبد الرزاق: حدثنا عبيد الله عن نافع وعبد الله عن نافع، ميزوا حديث هذا من حديث ذاك، لأن أحدهما ثقة والآخر ضعيف،فإن أسقط من اسم عبيد الله (( يا ) )علموا انه من حديث عبد الله بن عمر، وإذا زيد في اسم عبد الله (( يا ) )قالوا هذا من حديث عبيد الله بن عمر، حتى خلصوا الصحيح من السقيم.
(( وإذا قال ابن عدي:حدثنا شعبة عن قتادة وحدثنا سعيد عن قتادة، فإذا التزق طرف الدال في بعض الكتب حتى يصير شعبة خلصوه،وقالوا: ليس هذا من حديث شعبة إنما هو سعيد. و إن انفتح من الهاء فرجة حتى صار شعبة سعيد ميزوه،وقالوا هذا ليس من حديث سعيد، هذا من حديث شعبة.
وإذا كان الحديث عند ابن عدي ويزيد بن زريع وغندر عن سعيد وشعبة جميعًا عن قتادة، ميزوه حتى خلصوا ما عند يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة مما عند غندر عن شعبة عن قتادة، لأن سعيدًا اختلط في آخر عمره فليس حديث المتآخرين عنه بمستقيم، وشعبة إمام متقن ما اختلط ولا تغير.
(( وإذا قال عبيد الله بن موسى: حدثنا سفيان عن منصور وحدثنا شيبان عن منصور،ميزوا بين ما انفرد الثوري عن منصور وبين ما انفرد شيبان عن منصور حتى إذا صغرت الفاء من سفيان في الكتابة واشتبهت بشيبان ميزوا،وقالوا هذا من حديث سفيان لا شيبان، وإذا عظمت الياء من شيبان حتى صار شبيهًا بسفيان قالوا: هذا من حديث شيبان لا سفيان، وميزوا بين ما روى عبيد الله بن موسى عن شيبان عن معمر، وبين ما روى عن سفيان عن معمر في أشباه هذا مما يكثر ذكره ) ).انتهى كلام ابن حبان، وإن في كلامه لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)