وهذا التّلازم بين العقيدة والشريعة ظاهر في عَقْد الإيمان وفي أصل الديانة؛ لأن الشهادتين -شهادتا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله- كل منهما التلازم بين الاعتقاد والعمل بين العقيدة الصحيحة وبين شرائع الإسلام، وكذلك فيما بين الشهادة الأولى والشهادة الثانية تلازم بين الاعتقاد والعمل والشريعة.
شهادة أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود حق إلا الله جل وعلا. وهذا النفي لأحقية معبود للعبادة لله جل وعلا يقتضي أن هناك عبادة، والعبادة لا تصح إلا بعقيدة بإخلاص وبتوحيد، والعبادات مختلفة.
فإذن دلّتنا كلمة التوحيد على الارتباط العظيم ما بين العقيدة والدين والتوحيد وما بين الشرائع والعبادات.
وكذلك شهادة أنّ محمدا رسول الله التي معناها أنك تقرّ وتوقن وتعلم وتخبر بأن محمدا بن عبد الله الهاشمي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو رسول الله وخاتم الأنبياء وخاتم المرسلين، ومقتضاها تصديقه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيما أخبر وطاعته فيما أمر واجتناب ما عنه نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
فقولنا (في مقتضاها تصديقه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيما أخبر) هذا متصل بالاعتقاد، فكل أخبر الله جل وعلا به فواجب تصديقه؛ لأن الله سبحانه هو أصدق القائلين {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا} [النساء:122] ، ولا أحد يخبر عن الله جل وعلا وعن خلقه بأصدق من الله سبحانه وتعالى، كذلك نبيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يخبر بوحي من الحق جل وعلا، فلهذا كان كل الأمور الغيبية؛ ما يتصل بالله جل وعلا وصفاته وأسمائه وأفعاله جل وعلا وأمور الجنة والنار والقدر والغيبيات كلها راجعة إلى أن نصدق هذه الأخبار، وهذا هو الاعتقاد والإيمان الباطن.