وذلك أن الفتن إذا أتت ؛ فإنها لا تصيب الظالم وحده , وإنما تصيب الجميع, ولا تبقى -إذا أتت -لقائل مقالًا, وإنما يجب علينا أن نحذرها قبل وقوعها,وأن نباعد أنفسنا حقًّا بعدًا شديدًا عن كل ما يقرب إلى الفتنة أو يدني منها ؛فإنَّ من علامات آخر الزمان كثرة الفتن ؛ كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يتقارب الزمان ,ويقلُّ العمل ,ويلقى الشح,وتكثر-أو قال: تظهر-الفتن".
وذلك لأن الفتن إذا ظهرت ؛ فإنه سيكون معها من الفساد ما يكون مدنيًا لقيام الساعة.
ومن رحمة نبي الله صلى الله عليه وسلم بنا: أن حذَّرنا من الفتن كلها.
والله جلَّ وعلا قد حذَّرنا بقوله: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةًُ.) .
قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية:"هذه الآية؛ وأن كان المخاطب بها هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ,لكنها عامة لكل مسلم؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر من الفتن".
وقال الآلوسي أيضا في"تفسيره"عند هذه الآية:"فسرت الفتن في قوله: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةًُ .) ؛ فسرت بأشياء: منها:المداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على البدع إذا ظهرت. ومنها:أشياء غير ذلك".
قال:"ولكلّ معنى بحسب ما يقتضيه الحال".
يعني: أنه إذا كان الزمان زمان تفرُّق واختلاف؛فليحذِّر بعضنا بعضًا بقوله: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةًُ .) ؛ يعني: اتقوا تفرّقًا واختلافًا لا يصيب مآله ولا تصيب نتيجته الذين ظلموا منكم خاصة , وإنما يصيب الجميع , ولا يخص ذلك الأثر-للتفرق والاختلاف مثلًا-الظالم وحده.