فهرس الكتاب
ولهذا ؛ مَن أراد صلاحًا عامًا في المسلمين ؛ فليعلم الله من قلبه أنه يدعو مخلصًا في أن يصلح الله جلَّ وعلا مَن ولاَّه الله على المسلمين , مَن ولاَّه الله أمر المسلمين , وأن يوفِّقه إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فإننا لا نرجو ولا نطمع في أكثر من أن يكون الهدى والعمل بالكتاب والسنة , والقلوب بيد الله جلَّ وعلا , هو الذي يقلبها.
* السادس من تلك الضوابط والقواعد:
أن للقول والعمل في الفتن ضوابط ؛ فليس كل مقال يبدو لك حسنًا تظهره , وليس كل فعل يبدو لك حسنًا تفعله ؛ لأن الفتنة قولك فيها يترتَّب عليه أشياء , ولأن الفتنة عملك فيها يترتَّب عليه أشياء .
فلا غرو أن سمعنا أبا هريرة رضي الله عنه يقول: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: أما أحدهما ؛ فبثثته , وأما الآخر ؛ فلو بثثته ؛ لقطع هذا الحلقوم ! رواه البخاري في صحيحه .
قال أهل العلم: قول أبي هريرة: لقطع هذا الحلقوم ؛ يعني: أنه كتم الأحاديث التي في الفتن , والأحاديث التي في بني أمية , ونحو ذلك من الأحاديث وهو قال هذا الكلام في زمن معاوية رضي الله عنه , ومعاوية اجتمع الناس عليه بعد فرقة وقتال , تعلمون ما حصل فيه , وتعلمون تاريخه , فأبو هريرة كتم بعض الأحاديث ؛ لماذا وهي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! ليست في الأحكام الشرعية , وإنما في أمر آخر , لماذا كتمها ؟! لأجل أن لا يكون هناك فتنة في الناس , ولم يقل: إن قول الحديث حقِّ , وأنه لا يجوز أن نكتم العلم ؛ لماذا ؟ لأن كتم العلم في هذا الوقت الذي تكلَّم فيه أبو هريرة لا بدَّ منه ؛ لكي لا يتفرَّق الناس بعد أن يجتمعوا في عام الجماعة على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .
ويقول ابن مسعود فيما رواه مسلم في صحيحه: ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلعه عقولهم ؛ إلا كان لبعضهم فتنة .