فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 2735

كذلك السعي في أخذ العلم وحفظ المتون والقراءة الجادة بدون مُلح هذه تسبب شيئًا من الهز والاهتزاز في نفسية طالب العلم؛ لأنّه لابد أنْ يكون عنده هذا وهذا، وإذا أخذ نفسه بالقوة دون الملح فإنه يكسل بعد فترة، هذا مجرَّب، وكل طالب للعلم لنفسه مع العلم إقبال وتوسط وإدبار وهذا لابد منه، فإقبالها أنْ يكون نشيطا يجتهد في الحفظ يجتهد في المراجعة يجتهد في البحث بقوة وإقبال ثم يرى من نفسه أنه في فترة أخرى يريد يتنزه، يتنزه بمعنى يخرج يريد أنّه يتصل ما يريد يطلب العلم ما يريد يقرأ إلى آخره، هذا بسبب عدم توازنه في ما سار فيه، والذي ينبغي لمن أراد العلم وأراد طلبه أنْ يكون متوازنا فيه وأنْ يرعى حقوق النفس والنفس لها حقوق، وإنّ لنفسك عليك حقا وإنّ لأهلك عليك حقا وإنّ لربك عليك حقّا فأعطي كلّ ذي حقٍ حقه.

المهم لطالب العلم أنْ لا ينقطع عن العلم ومن أسباب عدم الانقطاع أنْ يكون متوازنا فيما يطلب، يعني يكون عنده عناية بالملح التي تُنشِّط نفسه يأنس بأخبار وحكايات وطُرَف وهذه تطربه وهذه يستغرب منها وهذا موقف وهذه تقوِّيه أيضا في الكلام وفي سعة الإدراك والاطلاع على ما عند الناس وعند أهل العلم.

لذلك مثلا تجد ابن عبد البر مع مصنفاته العظيمة وهو إمام من الأئمة المشهورين مع مصنفاته العظيمة في شروح الحديث كالتمهيد الذي قال فيه لنفسه:

سمير فؤادي مُذ ثلاثين حِجةً…وصيقل ذهني والمفرِّج عن همي

يقصد التمهيد هو المفرِّج من همه، إذا نظر فيه تفرجت همومه لما يجد فيه من الأنس والانشراح، تجد أنه صنف (التمهيد) وصنف (الاستذكار) وصنف (الكافي) في الفقه المالكي، وصنّف الجامع المعروف، وصنّف من جهة أخرى كتاب (بهجة المجالس) في الأخبار والأشعار... الخ، شبيه (بعيون الأخبار) و (والبيان والتبيين) ، و (العقد الفريد) لابن عبد ربه وأشباه هذه الكتب (بهجة المجالس) كتاب يُكمّل هذا، لماذا؟

هل معنى هذا أنّ العالم الكبير يذهب إلى مثل هذا النوع من العلوم لأجل أنّ الوقت عنده لا قيمة له؟

لا، ولكن لأجل توازن نفسه مع العلم ولا يريد أنْ يخرج من العلم إلا إلى العلم، فإما أنْ يخرج منه إلى لهوٍ كما يلهو الناس أو إلى فرجةٍ أو إلى حديثٍ أو إلى ما شاكل ذلك، أو إلى علمٍ فيه أنس نفسه ويحصل معه المقصود ولا يخرج به عن الكتب وعن العلم فتجدُ أنّ طائفة من العلماء اعتنوا بهذا وعندهم عناية بالملح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت