ومن يرى في هذا الزمان يجد أن الناس تسارعوا وأسرعوا في الفتيا، حتى أصبح الأمر مختلطا أعظم الاختلاط، من جهة المفتين في العالَم، ومن جهة المستفتين أيضا في عدم مراعاة آداب الاستفتاء وما يُنجي المستفتي أمام ربه جل وعلا في استفتائه.
والمفتي كما أن له شروطا، وكما أن له آداب ويجب عليه أشياء، كذلك المستفتي فإن له وعليه، والناس اليوم ضعف علمهم في هذا الأصل العظيم، ولهذا تجد أن الصحابة رضوان الله عليهم المقرّبين من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يَذكر الله عنهم في كتابه أنّهم سألوا نبيه إلا عن نحو اثنتي عشرة مسألة، وفي السنة شيء يزيد على هذا من جهة المطابقة، وإنما كان همّهم امتثال الأمر واجتناب النهي، وكانوا يفرحون أنه يأتي الرجل من الأعراب ليسأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيستمعوا إلى ما يقول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، وذلك لعظم شأن هذا الأمر فقد قال نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته» وهذا من أجله هاب الصحابة ذلك.
فلذلك نقول: أن هذا الموضوع مهم فيما نرى من التسارع في الفتيا، فصار لكل قناة من القنوات الإذاعية صار لها مفتي أو أكثر، والقنوات الفضائية صار لها مفتي أو أكثر، والجرائد صار لها مفتي أو أكثر والمجلات صار لها مفتي أو أكثر؛ بل حتى إن المجلات التي تنشر الفسق يوجد فيها من يفتي.
وهذا يبيّن أن الأمر جدُّ خطير، إذا ظلّ الناس على هذا فإنه يأتي قوم يتسارعون أكثر وأكثر، فحينئذ يحل الحرام ويحرم الحلال والعياذ بالله.