فهرس الكتاب
واليوم أصبحت الفتوى مسخرة، أن هذا يفتي والهاتف لا يسكت، ويتكلم بغير إيقان ولا إتقان، وربما أفتى وهو يأكل وربما أفتى وهو ينظر إلى شيء أو وهو يكتب، وهذا أمر في الحقيقة يخشى على المرء فيه أن يعاقبه الله جل وعلا بذهاب نور الإيمان في صدره.
قال عبد الرحمن ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى: لقد أدركتُ في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار، وما منهم أحد يُحدث بحديث إلا ودّ أن أخاه كفا الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلى ودّ أن أخاه كفاه الفتيا.
وتلك كانت سنة السلف رحمهم الله تعالى في هذه الأصول العظيمة.
لهذا ينبغي لنا حينئذ أن نعلم أن الكتاب والسنة وأن هدي السلف الصالح وما كان عليه أئمتنا رحمهم الله تعالى هو التشديد في أمر الفتوى، وأن المرء يجب عليه أن يربأ بنفسه أن يعرّض دينه وأن يعرّض حسناته للذهاب بذنب يحدثه في الأمة أو ينقل، وكثير اليوم ما نسمع بأنّه يقول السائل: أنا سألت فلان فأجابني بكذا وسألت الشيخ فلان فأجابني بكذا، وإذا المفتون بدل أن يكونوا كذا وكذا من العدد إذا بهم مئات في عرض البلاد وطولها، هذا لاشك أنه يخالف الدين ويخالف الورع، فالتعليم والبحث هذا شيء، وأما الفتوى فإن المرء لا يسوغ له أن يفتي في كل ما يسأل، أما إذا تعينت عليه الفتوى فهذا له بحث يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
هناك فروق مهمة ينبغي إيضاحها، هذا الموضوع ينبغي أن يكون علميا ولغته لغة علمية؛ لأنه ليس للترغيب ولا للترهيب فقط، ولكنه علم فيه الترغيب والترهيب في هذا الأمر الجلل الخطِر.
من الفروق المهمة في هذا الأمر:
الفرق بين الفتوى والقضاء
الفتوى باب، والقضاء باب آخر، الفرق بينهما:
أن القضاء يكون بين متخاصمين في إلزام أحدهما بالحق له أو لصاحبه، والذي يحكم بينهما هو القاضي الذي نصبه ولي الأمر ليقضي بين الناس فيما اختلفوا فيه وتشاجروا عليه.