فهرس الكتاب

الصفحة 1385 من 2735

أما المفتي فإنه لا يلزم، المفتي يخبر بالحكم دون إلزام، ويترك العمل بالفتوى أو عدم العمل بالفتوى لما يكون من روع المستفتي وتقواه، فلا يبحث المفتي عن حال المستفتي هل التزم أم لم يلتزم، أما القاضي فإنه يلزم بتنفيذ الحكم بما فوضه إليه ولي الأمر.

ولهذا قال العلماء: القاضي لا يصح له أن يفتي في المسائل التي يقضي فيها. يعني أن القاضي لا يصح أن يفتي في البيوع، لا يصح أن يفتي في مسائل النكاح، لا يصح أن يفتي في مسائل التركات، لا يصح أن يفتي في مسائل القتل، لا يصح أن يفتي في مسائل الأعراض، لماذا؟ لأن الناس إذا علموا فتوى القاضي في هذه المسائل فإنهم يؤولون أمورهم عند الرفع إليه وعند التنازع بما يوافق فتواه.

ولهذا نص ابن قدامة في المغنى في كتاب القضاء على أن القاضي لا يفتي؛ لكن يفتي في أمور العبادات فيما بين المرء وبين ربه جل وعلا، نعم، أما في المسائل التي يكون فيها خصومة، كما أن المفتي لا يفتي في المسائل التي فيها خصومة، وأنتم تسمعون المشايخ إذا عُرضت مسألة فيها خصومة، يقول أنا اختلفت أنا وأخي في كذا أو اختلفت أنا ووالدي في كذا أو حصل بيننا كذا، فيقول هذه خصومة مردها إلى القضاء، فيحيل ذلك إلى الحاكم الشرعي أو إلى القاضي الشرعي.

أما المفتي فإنما يتكلم في المسائل التي لا تتعدى المستفتي إلى غيره مما له عليه أو معه خصومة فإذا تعدت فإن المسألة حينئذ لا تكون بابها الإفتاء بل تكون بابا آخر.

وينبني على هذا تصرفات المفتي والقاضي، لهذا بحث العلماء في مسألة مهمة في تصرفات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ هل تصرفات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما جاءنا في السنن، هل تبنى على أنه إمام المسلمين وولي الأمر، أم تبنى على أنه قاض ويحكم ويلزم، أو تبنى على أنه مفتٍ، أم تبنى على أنه داعٍ إلى الرشد، أم تبنى على أنه ينصح ويرغب ؟ فهل تبنى على هذا أو على هذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت