فالواجب على المؤمن أن يكون مستمسكا بالوحي كما أمر الله جل وعلا عباده بذلك، فقال سبحانه {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} [الزخرف:43] ، وأن لا يتعدى العبد المؤمن ما أنزل الله جل وعلا في القرآن وما بينه رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سنته؛ لأن الهدى الكامل في الكتاب والسنة، ومن رغب الهدى من غيرهما أضلّه الله والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ صحّ عنه أنه قال «إذا ذكر القدر فأمسكوا» يعني أمسكوا عن الكلام في القدر بما لم توقفوا فيه على علم من الله جل وعلا أو من الوحي الذي أوحي إلى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الواجب على كل مؤمن أن يسعى في تعلّم هذا الركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقدر من الله جل وعلا خيره وشره، وأن يتعلم أيضا أنه لا يجوز له أن يخوض في مسائل القضاء والقدر ولا الهدى والضلال ولا الشقاوة والسعادة ولا أحوال الناس الذين جعلهم الله جل وعلا متفاوتين في الإيملن وفي الأرزواق وفي الأخلاق، أن لا يخوض في ذلك إلا بعلم موثوق وهو ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن القدر في الحقيقة أمر غيبيّ كما قال ابن عباس القدر سر الله جل جلاله.
لهذا كلامنا فيما ستسمع إن شاء الله تعالى إنما هو من مشكاة الوحي من القرآن والسنة، ولا يجوز لأحد أن يخوض في مسائل الغيب بعامة وفي مسائل القدر إلا عن علم ودليل؛ لأن الخوض في ذلك بالعقول والأوهام والأقيسة مسلك من مسالك الضلال، والشيطان يأتي العبد ليضله عن سبيل الله في أن يخوض في فعل الله جل وعلا بالعلل والأقسية، ولهذا أحسن ابن تيمية رحمه الله في قوله في تائيته القدرية المشهورة قال
وأصل ضلال الخلق من كل فرقة هو الخوض في فعل الإله بعلة
فإنهم لم يفهموا حكمة له فصاروا على نوع من الجاهلية