فلهذا من محاسن هذه الشريعة المباركة؛ شريعة الإسلام، أنّ باب المعاملات فيها باب واسع يسع حاجات الناس، مهما اختلفت صفاتهم، ومهما اختلفت أحوالهم، ومهما بعد زمانهم عن زمان النبوة، ومن محاسن هذه الشريعة أن جعلت الأصل في المعاملات الإباحة، إلا ما حرم بدليل من الشريعة، ولهذا تجد أن المحرم في المعاملات قليل بالنسبة إلى كَثرة المباح من ذلك، فصور البيوع أكثرُها مباح، وصور الإجارة أكثرها مباح، وصور الشركات أكثرها مباح، والكفالة، والضمان، إلى غير ذلك، إلى أن تَفِي إلى آخر أبواب المعاملات تجد أن الكثرة الكاثرة منها معاملات مباحة باتفاق أهل العلم أو بالقول الصحيح من المحققين من أهل العلم، وأما المحرم فإنه قليل، ولهذا يجتهد أهل العلم في أن يجعلوا المحرمات في المعاملات تخضع لقواعد معلومة، وبرعاية هذه القواعد يمكن حصر المحرمات بالمعاملات.
فإذن المعاملات أنواعها كثيرة، وصورها متعددة، وثَم قواعد محدودة يمكن أن يفهمها طالب العلم، ثُم بعد ذلك يندرج تحت تلك القواعد فروع متعددة بالنسبة لاختلاف الصور.
لهذا نقول إنّه من حيث تأصيل طالب العلم في فهم المعاملات أن يُعنى:
(بادئ ذي بدء بفهم القواعد العامة التي تنبني عليها المعاملات.
(ثم يفهم القواعد العامة التي ينبني عليها ما حرم من المعاملات.
ولهذا نجد أن أهل العلم ذكروا أن المحرم من المعاملات من حيث التقعيد يمكن أن يندرج تحت ثلاث قواعد، أو تحت أربع قواعد، ومن هذه القواعد التي يندرج تحتها ما حُرِّم من المعاملات قاعدة الميسر والقمار والغرر ونحو ذلك، وهذه القاعدة هي التي لبيانها تُنشأ هذه المحاضرة، واعتنى بها من نظّم لهذه المحاضرات، فله منها الشكر الجزيل، ونسأل الله له ولمن أعانه على تنظيم هذه المحاضرات التوفيق والسداد، وأن يجزيهم الله عني وعن المستمعين خير الجزاء.