وهذا الفهم العظيم، هو أول درجات الصعود في طلب العلم، أنْ تفهم أنّ العلم كلّه ثقيل، فكل مسألة من مسائل العلم، تحتاج منك إلى إقبال بقلبٍ، وفهمٍ مستقلٍ، فمن قال هذه مسألة سهلة نمرّ عليها وعنها مرور الكرام، فإنّه لن يحصِّل العلم حتى يكون العلمُ عنده سواء، بكلياته وجزئياته، بقواعده وفروعه، بأصوله وتفريعاته، سواء من جهة العناية به، سواء من جهة تحصيله، وترديده وحفظه، وتثبيته فالعلم، إذا تركته تركك، وإذا أقبلت عليه أعطاك بعضه، كما هو معلوم في المقالة المشهورة: (( العلم إنْ أعطيته كلّك أعطاك بعضه، وإنْ أعطيته بعضك لم تدرك منه شيئا ) ).
وهذا واقع مجرب. هذه المحاضرة، عنونت: (( بالمنهجية في قراءة كتب أهل العلم ) )، وموضوعها مهم، لأنّ كثيرين قرءوا كتبًا متنوعةً، لكن تجيء الشكوى منهم، متواترة بأننا لم نحصِّل علمًا راسخا مقعدًا، لم نضبط العلم بحيث نطمئن إلى هذا العمر الذي بذلناه في العلم، وهذا تجده عند كثيرين؛ لأنهم قرءوا مدة طويلة وربما حضروا بعض الدروس عند أهل العلم، وربما كتبوا الكتابات أو البحوث أو ألّفوا، ولكن في قرارة نفسه يدرك أنّه لم يحصل من العلم ما به تتميز مسائله، وما به يتضح المُشْكلُ منه، فلهذا جاءت هذه المحاضرة، وكانت مهمة لأنه لابدّ من منهج مضبوطٍ للقراءة في كتب أهل العلم، ومن لم يسر في حياته كلّها على منهج منضبط يرجعُ إليه، فإنّه سيترك الطريق الواضح، وسيأخذ بالطرق المختلفة.
كتب أهل العلم، إذا نظرت إليها في هذا الزمن وجدتها تصل إلى عشرات الآلاف في الفنون المختلفة، فهل العلم كثير، بكثرة هذه الكتب؟