ثم من أسباب الاهتمام بهذا الموضوع أن الصحابة رضوان الله عليهم كان كثيرون منهم يخافون النفاق ويخشون أن يكونوا من المنافقين، هذا عمر رضي الله عنه الخليفة الراشد وصاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمبشَّر بالجنة في حياته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يقول لحذيفة وكان عنده خبر المنافقين: يا حذيفة هل عدني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المنافقين. من خوفه أن يكون منهم، وهو على تلك المنزلة العالية، فقال له: لا، ولا أزكي بعدك أحدا. رضي الله عنهم وأرضاهم.
وقال بعض التابعين: أدركت سبعين من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلهم كان يخشى النفاق على نفسه.
وصلى مرة أبو الدرداء في مسجد فأطال الصلاة وكان بجانبه جبير بن نفير المعروف، فلما أتى قبل السلام أكثر أبو الدرداء من الاستعاذة من النفاق؛ يسأل الله جل جلاله أن يعيذه من النفاق، فلما انصرف قال له جبير: يا أبا الدرداء أكثرت من الاستعاذة من النفاق، فمالك وللنفاق؛ يعني أن النفاق ليس لك وأنت صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى آخره، قال: دعنا منك، دعنا منك، دعنا منك، إن العبد المؤمن لا يأمن أن يقلب الله قلبه بطرفة عين.
ولهذا العاقل والمؤمن الصادق الصالح يخشى أن يقلب الله قلبه فيخسر الدنيا والآخرة، والذنوب يغشاها كثير، وهي على باب الغفران؛ ولكن الشأن في مسالك النفاق الأكبر أو الأصغر المستدام عليها.
ولهذا أحسن ابن القيم رحمه الله حين قال في نونيته:
فوالله ما خوف الذنوب وإنها لعلى سبيل العفو والغفران
لكنما أخشى انفلات القلب من تحكيم هذا الوحي والقرآن