وباب الشكر له صلة بالتوحيد, وكأنّ الإمام رحمه الله حين ذكر الشكر على العطاء, والصبر على البلاء, والاستغفار من الذنب, كأنه نظر إلى حال الموحِّد, خاطبه بما يجب عليه أن يكون معه دائما, فإنّ الموحِّد أنعم عليه بنعمة لا تعدلها نعمة؛ ألا وهي أنْ كان على الإسلام الصحيح، أنْ كان على التوحيد الخالص الذي وعد الله أهله بالسعادة في الدنيا والآخرة, ولابدّ للموحِّد من الابتلاء, فسأل اللهَ له أن إذا أبتلي صبر؛ والابتلاء قد يكون من جهة الأقوال التي توجَّه إليه، وقد يكون الابتلاء من جهة البدن، وقد يكون من جهة المال أو غير ذلك، قال (وإذا أذنب استغفر) ؛ لأن الموحّد لابد أن يكون معه شيء من الإعراض، و لابد أن يقع الذنب؛ إما من الصغائر، وإما من الكبائر، والله جل وعلا من أسمائه الغفور، ولا بد أن يظهر أثر ذلك الاسم في بريئته وملكوته، لهذا يحب اللهُ من عبده الموحّد المخلص أن يكون دائم الاستغفار، ولا بد للموحّد من ذلك, والعبد إذا ترك عظيم الاستغفار جاءه بالكِبر، والكبر يحبط كثيرا من العمل، لهذا قال هنا (وإذا أذنب استغفر وهؤلاء الثلاث عنوان السعادة) ، فإذن هذه متلازمة في حال كل موحّدٍ؛ وهي الشكر على العطاء، والصبر على البلاء، والاستغفار من الذنب والعصيان، وكلّما عَظُم العبد معرفةًٍ بربه كلما عظَّم هذه الثلاث، وكلما عظم التوحيد في القلب عظمت هذه الثلاث، حتى يصير العبدُ لا يرى سوى الله جل وعلا في استحقاق شيء من أعماله وتصرفاته، فإن غفل في ذلك كان استغفاره ليس استغفار الذي لا يفقه، لهذا كان عليه الصلاة والسلام يستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من مائة مرة، وفي رواية في الصحيح «أنه كان يستغفر الله في المجلس الواحد سبعين مرة» ، والموحد عليه خطر؛ خطر الغرور، الغرور لأنه من أهل التوحيد، أو من المحققين لاتباع السلف، أو ممن علم هذا العلم، ثم لا يكون في قلبه من الخضوع والذل الذي يعلمه الله منه، ما يكون ذلك سببا لقَبول هذه الوسيلة، وهي وسيلة التوحيد إلى الله جل جلاله، وشأن الله أعظم، وطلبَ من عباده شيئا قليلا، ولهذا عظم أمر التوحيد، وَقَبُحَ جدا الشرك وما جر إليه.