فنقول: وأي فرق بين عبادة هؤلاء الصالحين، والتوجه إليهم، وبين عبادة من عبد عيسى، أو عَبَدَ العُزير، أو عبد الصالحين الذين كانوا يُعبدون؟ أي فرق بين هذا وهذا؟ لاشك أن الحُكم على الجميع واحد، وهذه قاعدة يقينية من أنه لا فرق بين هذا وهذا؛ لأن المدار على عبودية القلب، فإذا قام في القلب التنديد والإشراك بالله جل وعلا، فسواء أكان المشرك به صالحا أو طالحا، كان نبيا أم لم يكن نبيا، كان شجرا أو كان ملكا، الأمر واحد؛ لأن القلب يجب أن تكون عبوديته لله وحده، وأن يكون دينه لله وحده ?أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ? [الزمر:3] , ?قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي? [الزمر:14] , وهذه العبودية من جهة العابد، لا ينظر فيها إلى من توجه إليه، فإن توجه لله الواحد الأحد فهو مخلص موحد، وإن توجه إلى غيره فإنه مشرك مهما كان ذلك الغير، ولهذا قال جل وعلا ?وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا? [الجن:18] وقوله (أَحَدًا) يعمّ الجميع كما ذكرنا ذلك مرارا، وكقوله جل وعلا ?وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ? [المؤمنون:117] , قال جل وعلا هنا ?وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ? (لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) ، هذه صفة من عبد غير الله جل وعلا؛ في أنه لا برهان له بما عبد، وليس لها مفهوم لأن هناك ما يُعبد وثَمَّ برهان عليه، بل كلّ من عبد غير الله، ودعا غير الله فإنه لا برهان له على أحقِّية ذلك الغير بالعبادة أو بالتوجه.