قوله (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله؛ فقد اتخذهم أربابًا من دون الله) لقول الله تعالى: ?اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إلهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ? [التوبة:31] وتقدّم تفسير هذا في أصل المصنف رحمه الله عند ذكر حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
قوله (وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يوشك أن تنْزِل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!)
قوله (يوشك) بضمّ أوله وكسر الشين المعجمة أي يقرب ويسرع.
وهذا القول من ابن عباس رضي الله عنهما جواب لمن قال له: إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لا يَرَيَان التمتع بالعمرة إلى الحج، ويريان أن إفراد الحج أفضل، أو ما هو معنى هذا.
وكان ابن عباس يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب، ويقول: إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط فقد حلّ من عمرته شاء أم أبى. لحديث سُراقة بن مالك رَضِيَ اللهُ عنْهُ حين أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلوها عمرة ويُحلّوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، فقال سراقة: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد» . والحديث في الصحيحين، وحينئذ فلا عذر لمن استفتى أن ينظر في مذاهب العلماء، وما استدل به كل إمام ويأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل إذا كان له ملكة يقتدر بها على ذلك، كما قال تعالى: ?فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا? [النساء:59] .
وللبخاري ومسلم وغيرهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت» ، هذا لفظ البخاري في حديث عائشة رضي الله عنها. ولفظه في حديث جابر: «افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم» ، في عدة أحاديث تؤيد قول ابن عباس.
وبالجملة فلهذا قال ابن عباس لما عارضوا الحديث برأي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء...) الحديث.