[وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له ليدعها لقول أحد.] (1)
وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر - صلى الله عليه وسلم -.
وكلام الأئمة في هذا المعنى كثير.
وما زال العلماء رحمهم الله يجتهدون في الوقائع، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، كما في الحديث (2) ، لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم. وأما إذا لم يبلغهم الحديث أو لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندهم فيه حديث، أو ثبت وله معارض أو مخصّص ونحو ذلك فحينئذ يسوغ للإمام أن يجتهد.
وفي عصر الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى إنما كان طلب الأحاديث ممن هي عنده باللُّقَى والسماع؛ ويسافر الرّجل في طلب الحديث إلى الأمصار عدة سنين. ثم اعتنى الأئمة بالتصانيف ودوّنوا الأحاديث ورووها بأسانيدها، وبينوا صحيحها من حسنها من ضعيفها. والفقهاء صنّفوا في كل مذهب، وذكروا حجج المجتهدين. فسهُل الأمر على طالب العلم. وكل إمام يذكر الحكم بدليله عنده، وفي كلام ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل على أن من بلغه الدليل فلم يأخذ به -تقليدًا لإمامه- فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ لمخالفته الدليل. (3)
(1) هذا كلام للشافعي.
(2) الحديث يعني حديث معاوية «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» والحاكم يعني به القاضي وأُلحق به كل عالم لأجل أن مدار الاجتهاد واحد ومشترك، والعلة فيهما واحدة.
(3) الإنكار يكون لمخالفة الدليل بعد تسليم صحته وبدلالته، أما إذا كانت صحة الدليل فيها بحث، وكذلك دلالته فيها بحث، فهذه: لا إنكار في مسائل الاجتهاد.
وهذه العبارة (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) من عبارات أهل العلم؛ لأن المجتهد إما في المسألة النازلة أو في الحديث أو في معنى الآية فإن اجتهاده هو الذي ينبغي عليه وهو الواجب عليه، فإذا بان له شيء من وجه الحجة وخالفه غيره، فليس لأحد أن ينكر عليه، ذلك لأن أصول أهل العلم في النظر في الأدلة مختلفة، فتجد أن أصول أبي حنيفة في الفقه تختلف عن أصول مالك، تختلف عن أصول الشافعي وأحمد، فمالك والشافعي وأحمد أصولهم متقاربة، وأما الإمام أبو حنيفة فأصول الفقه عنده تبعد أو تختلف كثيرا أصول الأئمة الثلاثة، كذلك مالك أصوله تختلف كثيرا عن أصول الشافعي وأحمد مع قربه معهم في أكثرها.
المقصود أن سبب الخلاف النظر، وأصول الفقه -كما هو معلوم- منها ما هو راجع إلى الدليل، ومنها ما هو راجع إلى الاستدلال، والدليل والاستدلال ركنان من أركان علم أصول الفقه؛ لأن أصول الفقه له أربعة أركان: حكم والدليل والاستدلال والمستدل.
فالدليل منه الكلام في القراءات، ومنه الكلام في ثبوت وحجية السند، وهل يؤخذ بحديث بزيادة ثقة مثلا أو لا يؤخذ؟ هل يؤخذ بالمرسل يحتج أو لا يؤخذ؟ وهي المسماة بمصطلح الحديث.
كذلك من جهة الاستدلال تختلف أنظارهم فيه، فمن جهة الأمر والنهي مخصصات أو صوارف الأمر إلى الاستحباب، صوارف النهي إلى الكراهة؛ يعني من التحريم إلى الكراهة، هذه تختلف فيها أنظار أهل العلم.
كذلك المخصصات هل هذا مخصص أم العام باق على عمومه، هل يؤخذ بالمطلق ويحكم به على المقيد، أم يحكم بالمقيد على المطلق، هذا تختلف فيه الأنظار، كذلك هل تعدّ السنة بيانا للمجملات، مجملات القرآن أو مجملات السنة -العملية- تعد بيانا واجبا؛ يعني حكمه الوجوب من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ نعم حكمه الوجوب، البيان؛ لكن أعني حكم المسألة هو الوجوب أم الاستحباب؟ إلى خلاف كثير في هذه المسائل، حجية قول الصاحب، هل القياس حجة؟ هل يسلم أن هذه علة؟ هل هذه العلة غير معارضة؟ هذه مسائل كثيرة يكون الخلاف راجعا إليها الاجتهاد النصوص راجع إلى هذه المسائل.
فإذن هناك اجتهاد يرجع إلى الدليل وهناك اجتهاد يرجع إلى الاستدلال والخلاف بين الأئمة في هذا كثير.
ومن حيث الاجتهاد لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهناك عبارة أخرى وهي (لا إنكار في مسائل الخلاف) فعبارة (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) صحيحة على إطلاقها؛ يعني بإطلاق، وأما عبارة لا إنكار في مسائل الخلاف فهذه صحيحة باعتبار، بقيد؛ وهو أن يكون الخلاف قويا؛ يعني إذا رجع الخلاف إلى كونه اجتهادا صحيحا.
وذلك أن الخلاف منه ما هو خلاف قوي ومنه ما خلاف ضعيف، والخلاف القوي ما كان للاجتهاد فيه نكرة، لهذا بعض العلماء يقول لا إنكار في مسائل الخلاف هذه عبارة حادثة، وأما تصويبها: لا إنكار في مسائل الاجتهاد.
وشيخ الإسلام والأئمة يقولون كلا العبارتين صحيح وإذا قلنا لا إنكار في مسائل الخلاف نعني به الخلاف القوي، أما الخلاف الضعيف فإنه ينكر فيه على أصحابه، فننكر على من رأيناه يشرب النبيذ المسكر ولو كان قولا محكيا عن أبي حنيفة رضي الله عنه، ننكر على من عمل بربا الفضل وأكل مال ربا الفضل وتعامل به وإن كان قولا لابن عباس محكي عنه أو مشهور عنه، ننكر على من تمتع يعني تزوج امرأة متعة وإن كان قولا معروفا لطوائف يعني من السنة وهكذا.
فإذن ليست مسألة فيها خلاف يترك فيها إنكار؛ بل إذا كان خلاف قويا لا إنكار لأنه ترجع المسألة إلى الاجتهاد، الاجتهاد الصحيح، وإذا كان الخلاف ضعيفا فإنه يكون قد قوبل بالدليل يقول تقديم لقول هذا على الدليل، ومما تقرر في هذا الباب أنه من عارض الدليل بقول أحد فإنه ينكر عليه ويغلّظ عليه.
ولهذا الأئمة أئمة الحديث والسنة رحمهم الله صنفوا في الأشربة والأطعمة، الأشربة يريدون بذلك الرد على الحنفية، والأطعمة يريدون بذلك الرد على المالكية الذين لم يحرموا كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير كما جاء في السنة، وهكذا في غير هذه المسائل.