و (سفيان) هو الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب يأخذون عنه، ومذهبه مشهور يذكره العلماء رحمهم الله في الكتب التي يذكر فيها مذاهب الأئمة، كالتمهيد لابن عبد البر، والاستذكار له، وكتاب الإشراف على مذاهب الأشراف لابن المنذر، والمحلّى لابن حزم، والمغني لأبي محمد عبد الله بن أحمد ابن قدامة الحنبلي. وغير هؤلاء.
فقول الإمام أحمد رحمه الله: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته...) إلخ إنكار منه لذلك. وأنه يؤول إلى زيع القلوب الذي يكون به المرء كافرًا. وقد عمّت البلوى بهذا المنكر خصوصًا ممن ينتسب إلى العلم، نصبوا الحبائل في الصدّ عن الأخذ بالكتاب والسنة، وصدوا عن متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتعظيم أمره ونهيه.
فمن ذلك قولهم: لا يَستدل بالكتاب والسنة إلا المجتهد. والاجتهاد قد انقطع ويقول: هذا الذي قَلَّدتُّهُ أعلم منك بالحديث وبناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك من الأقوال التي غايتها ترك متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى، والاعتماد على قول من يجوز عليه الخطأ، وغيره من الأئمة يخالفه، ويمنع قولُه بدليل، فما من إمام إلا والذي معه بعض العلم لا كله. فالواجب على كل مكلَّف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وفهم معنى ذلك: أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه، كما قال تعالى: ?اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ? [الأعراف:3] ، وقال تعالى ?أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ? [العنكبوت:29] وقد تقدم حكاية الإجماع على ذلك؛ وبيان أن المقلد ليس من أهل العلم، وقد حكى أيضًا أبو عمر بن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك.