فهرس الكتاب

الصفحة 2012 من 2735

والأئمة رحمهم الله لم يقصروا في البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، لعلمهم أن من العلم شيئًا لم يعلموه، وقد يبلغ غيرهم، وذلك كثير كما لا يخفى على من نظر في أقوال العلماء.

قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا جاء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال.

وقال: إذا قلتُ قولًا وكتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله. قيل: إذا كان قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وقيل إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول لصحابة.

وقال الربيع: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذوا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوا ما قلت.

وقال: إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي الحائط.

وقال مالك رحمه الله تعالى: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وتقدم له مثل ذلك، فلا عذر لمقلّد بعد هذا. ولو استقصينا كلام العلماء في هذا لخرج عما قصدناه من الاختصار، وفيما ذكرناه كفاية لطالب الهدى. (1)

(1) وهذا المذكور في كلام الشارح رحمه الله تعالى هو الذي جعله الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله طريقا في دعوته، فإنه رحمه الله أتى إلى أُناس في هذه الديار وهم يعكفون على كتب المذاهب ولا يعرفون كتب الحديث البتة، حتى إنّ صحيح البخاري يُذكر في ذلك الزمان أنه يوجد عند فلان أو يوجد عند فلان يعني قد لا يكون منه إلا نسخة أو نسختين أو ثلاثة، فضلا عن غيره من كتب السنة، وقراءتها إذا وجدت فهي للتبرك أو لأخذ الأوقاف التي يقف فيها الموقفون على قراءة البخاري ونحوه على الناس في المساجد تبركا، أما أخذ العلم من كتب السنة والاهتمام بكتب السنة والحديث فهذا لم يكن في نجد البتة، والشيخ رحمه الله لما قام بدعوته وأظهرها قال أقوالا على حسب مقتضى الدليل لما سمعتم من كلام الأئمة فيما ذكر الآن، فخالفه من خالف، وكتبت له رسائل، فقال في بعض حججه: والأكثر ما في الإقناع والمنتهى -وهما من كتب المذهب الحنبلي التي يعتمد عليها المتأخرون- قال: وأكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لقول أحمد ونصه.

وأدخل الشيخ رحمه الله كتب الحديث في نجد وأدخل الاحتجاج بالدليل والنظر في أقوال أهل العلم فرجح في مسائل كثيرة ما ليس في مذهب أحمد، وقبِل قول المذهب في مسائل أيضا كثيرة لوافقته للدليل.

ومن المتقرر أن مذهب الإمام أحمد هو أقرب المذاهب للدليل وما يخالفون فيه مقتضى الدليل أقل مما عند غيره من المذاهب.

الشيخ رحمه الله ظهر في هذه البلاد وهم لا يعرفون كتب الحديث، فأدخلها ونشرها، حتى رأيتَ في شرح شيخ السليمان بن عبد الله الذي لم يغادر الدرعية في شرحه على كتاب التوحيد رأيت أنه نقل عن كتب حتى من كتب السنة والحديث مما لم نقف عليه الآن؛ فيه أكثر من ستمائة مرجع في السنة والحديث، وكان أبناء الشيخ رحمه الله يدرسون كتب الحديث في الجامع في الدرعية وفي قصر الإمارة مما هو معروف مشهور.

الشيخ رحمه الله لما دعا غلى الالتزام بالسنة وترك التعصب وترك التقليد الذي ليس على وجه حجة الناس عارضوه، وكان من سبب تأليفه لرسالة آداب المسجد في الصلاة -التي انتزعها من الإقناع وشرحه أو لخصها من الإقناع وشرحه- كان من سبب ذلك أنه قيل في حقه إنه يُبطل كتب المذهب الحنبلي، كما ذكر ابن بشر في تاريخه وكتب المذهب فيها خير كثير وفيها فقه عظيم فصنف الشيخ هذه الرسالة منتزعة من إقناع والمنتهى حتى لا تتم هذه المقالة؛ لأنه مصلح ويريد بدعوته الإصلاح، ونبّه الناس على الاهتمام بالسنة والدعوة، وترك ما فيه نوع جفاء بالنسبة لكتب أهل الفقه، حتى إنه اختصر الإنصاف والشرح الكبير -وهما من الكتب التي فيها ذكر الأقوال في المسائل مما هو معروف في ذكر أقوال السلف وأقوال الأئمة المتبوعين ونحو ذلك-، كان له اهتمام كثير في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية.

فالمقصود من ذلك أن الشيخ رحمه اله طبق هذا الكلام الذي سمعنا وطبقه أبناؤه وتلامذته، وهذا هو الذي انتشر في هذه البلاد في أنهم إنما يفتون بما قام به الدليل عند المفتي والمجتهد، فالشيخ رحمه الله في الفقه على هذه الطريقة، وليس مقلدا في الفقه، وإنما هو يأخذ بالفقه بما وافق الدليل، وكيف يقلد فيه وهو الذي يذكر هذا الباب العظيم من أبواب كتاب التوحيد، فهو رحمه الله سلفي الاعتقاد، سلفي الفقه، صحيح النظر في ذلك كله ونشر الدعوة على الوسط بين طريقتي أهل الغلو وأهل الجفاء في اتباع الأدلة.

وقسم الشيخ رحمه الله طريقته في ذلك إلى قسمين:

أما من جهة الفتوى فعلى ما ذكرت، فمن جهة التعليم، فعلى ما ذكرت إقراء كتب السنة والحديث واستنباط العلم منها، وإقراء كتب الفقه وتصوير المسائل والأخذ بما ترجح فيه الدليل.

أما في الحكم والقضاء فإنه لم يفتح الباب للقضاة في أن يجتهدوا على ما وافق عليه الدليل عندهم؛ لأن هذا يفضي أن يكون للقاضي وللحاكم اجتهاد في مسألة يحكم فيها بقطع رأس والآخر لا يحكم في عين تلك المسألة، فيفضي ذلك إلى خلل كبير في المجتمع وخلل كبير في الدولة وعدم رضا الناس بالأحكام الشرعية، وفتن تكون بينهم.

فإنما قال القضاة يكون مرجعكم في ذلك كتب المذهب الحنبلي، وإذا كان ثم مسألة يراها القاضي غير موافقة للدليل في المذهب فإنه يكتب إلى مرجعه في القضاء، في وقت الشيخ محمد يكتبون إلى الشيخ محمد، فيذكر لهم ما يرجحه هو في هذه المسألة، حتى تكون البلاد في مسائل القضاء لها مرجع واحد؛ لأن ترك ذلك يكون فيه خلل كبير، ولما فتح الملك عبد العزيز رحمه الله مكة قال بعض من في مكة من أهل العلم قال: لو قنّنت ما في الإقناع والمنتهى للقضاة فجعلته على شكل مواد؛ المادة الأولى المادة الثانية بالأحكام الموجودة في الإقناع والمنتهى. فقالوا: والسبب في ذلك أن القضاة يجتهدون، وربما حصل فيه فتن بين اجتهاد أهل مكة، واجتهاد أهل الرياض، اجتهاد أهل الجنوب، واجتهاد أهل الشمال، وهذا يسبب في ذلك نزاعا ويسبب خلافا.

وكُتبت في ذلك مجلة في الأحكام الشرعية التي طبعت -أظن للقاري أحمد بن عبد الله القاري وآخر معه- جعلوا الفقه الحنبلي كمواد، وجَعْل الفقه الحنبلي كمواد عرضه الملك عبد العزيز رحمه الله على المشايخ والعلماء فرفضوه البتة، وقالوا: هذا يفضي إلى أن تتبع هذه الأقوال دون نظر واجتهاد، فتصير كالقوانين. وهذا باطل؛ لأن الأصل أن كلامهم للإعانة على فهم النصوص، فإذا جعلت مواد صار القاضي يرجع إلى المادة ويحتج بها كصنيع أهل القانون وأهل التقنين، وهذا مخالف لأصل الدعوة فرفضوا ذلك، والفرق عندهم ما بين ما في الإقناع والمنتهى متنا مما هو موجود وما بين هذا الكتاب الذي فيه التقنين؛ يعني جعل المسائل على مواد، الفرق بينهم أن ذاك يرجع فيه القاضي إلى شروحه فينظر في الدليل، وإذا لم يقتنع بذلك كتب إلى مرجعه في القول الآخر، أما المواد وجعلها كقوانين هذه تكون مع الزمن مُلزمة صارمة، وهذا لا يجوز أن يجعل قول أحد ملزم وصارم، ولا يقال بخلافه إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعني من البشر، ولهذا رُفض ذلك.

فالدعوة دعوة الشيخ محمد رحمه الله في وقته وبعده أبناؤه وتلامذته وأئمة الدعوة رحمه الله نشروا الفقه أخذا بالدليل وترجيحا من المفتي فيما يفتي به الناس دون رجوع إلى المفتي الكبير أو أكبر العلماء في الإفتاء، أما في القضاء فلم يمنحوا أحدا أن يجتهد.

ولما كثر الاجتهاد في هذه البلاد، أو صار بعض الأحكام قد يكون عليها ملاحظات لما احتاجت البلاد إلى قضاة كثير، فصار من يلي القضاء ربما ليس على مستوى من العلم ما يؤهله أن يكون نظره صائبا دائما في المسائل المعروضة عليه، لما كان كذلك شُكِّلت محاكم التمييز -يعني محكمة التمييز في الرياض محكمة التمييز في المنطقة الغربية- شُكلت محاكم التمييز ووظيفتها أن تميز الأحكام التي يصدرها القضاة هل هي موافقة أم مخالفة؟ لأن القاضي قد في أول أمره يحكم بما يراه في كتاب النصوص والفقه، أو قد يجتهد فيحكم بما وافق عليه الدليل في اجتهاده، ولا ينظر إلى المصلحة العظمى في أن لا تتفاوت الأحكام في البلاد، فيكون القاضي يحكم بشيء في مسائل عظيمة، مثل قتل مثل انتزاع حقوق ونحو ذلك وآخر يحكم بخلاف ذلك، فشكلت محاكم التمييز لأجل الفصل في قضايا القضاة التي يعترض عليها أحد الخصمين.

وهذا كله في تأسيس هذه المسألة العظيمة، ولا أكاد أعرف أنّه نظمت مسائل القضاء والإفتاء على وفق الدليل وعلى وفق طريقة أهل السنة والحديث بعد القرون الثلاثة -يعني بعد الثلاثمائة بعد شيوع كتب المذاهب والمتون- كما جُعلت في دعوة الشيخ محمد رحمه الله تعالى، فإنها ضبطت ضبطا شرعيا سليما، نقول هذا بعد معرفة ونظر وتأمل، وهذا هو الذي أصلح هذه البلاد في هذه المسائل، وفيه توسّط والحمد لله، وهذه الأمة في عقيدتها واشتباهها وسط بين الغالي والجافي.

رحم الله إمام هذه الدعوة ورحم أبناءه وتلاميذه، رحم من آواه ونصره وأيد هذا الدين، ورحم كل من جاهد في سبيل تقرير هذه العقيدة وإتمام إلزام الناس بطاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله وأجزل لهم الثواب ووفق من عقبهم خيرا في العلم أو في الإمامة ورزقهم الهدى والسداد وجعلهم من المتبعين للكتاب والسنة قولا وعملا واعتقادا، وأعاذنا وإياكم وإياهم من الفتنة في الدين ومن الفتنة في الدنيا.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. [انتهى الشريط الأول]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت